الاثنين، 27 يوليو 2020

الأخلاق في الإسلام


الأخلاق في الإسلام
نالت الأخلاق في الإسلام مرتبةً عالية، وأهميةً بالغة، بل عدّها أهل العلم من الأصول والمرتكزات التي يقوم عليها الإسلام، وهي: الإيمان والأخلاق، والعبادات، والمعاملات، وكثراً ما دعتْ النصوص الشرعية إلى ترسيخ الأخلاق في النّفوس وتنميتها، وقد بلغت الأخلاق الفاضلة بأصحابها مبلغاً عظيماً؛ ففي الحديث أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من شيءٍ في المِيزانِ أثْقلُ من حُسنِ الخُلُقِ)،[١] والعقلاء يُجمعون على أنّ أصل الأخلاق جبلّة فطر الله النّاس عليها؛ فالصدق والوفاء، والشجاعة وغيرها أخلاق يُمتدح المرء لأجلها، في حين إنّ الكذب، والغش، والجبن أخلاقٌ يستحقّ فاعلها المذمّة، وقد شكّل النبي -صلى الله عليه وسلم- بأفعاله وسلوكياته منهجاً أخلاقياً يُحتذى به؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: (لم يكنِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا، وكان يقولُ: إن مِن خِيارِكم أحسنَكم أخلاقًا)،[٢] وخلاصة القول في حُسن الخلق كما جاء عن ابن حجر -رحمه الله- أنْ يختار المرء من الأقوال والأفعال أفضلَها ويجتنّب رذائلها،[٣] وميدان حسن الخلق ميدانٌ واسع، وفضاؤه رحبٌ، فهو لا يقف عند مسلك واحد، ولا ينحصر في تصرّف محدّد، ومن محاسن الأخلاق التي دعا إليها الإسلام وحضّ عليها خلق البرّ؛ فما هو البر، وما نصيبه في منظومة الأخلاق؟
معنى البر
 لعلّ الوقوف على معنى البر ودلالات المصطلح في اللغة العربية يكشف للباحثين علاقة المعنى اللغوي بالدلالة الاصطلاحية له، على اعتبار أنّ استخدامات العرب للمفردات أصلٌ في فهم معاني ودلالات الاصطلاحات.
معنى البر لغة
البرّ في لغة العرب اسم، وهو مصدر بَرَّ، ومنه: بِرُّ بِالوالِدَيْنِ دلالة على الإِحْسان إليهما وطاعتهما، وهو اسم يُطلَق على كلّ خيرٍ وإحسان وفضْل؛ فالصدق والصلة والعطاء والصلاح والتقوى كلّها أفعال برّ، فالبرّ كلمة جامعةٌ لكلِّ صفات الخير، ونقول: فعل مبرور، أي: لا شبهة كذب ولا خيانة فيه، ومنه الحجّ المبرور، أي: الذي لم يخالطه مأثم، وبرّ المرء يمينه، أي: صدق وعده ووفى به، وبرّ فلان، أي: ظهر صلاحه، ضدّ فجَر، وتقول العرب: فلان لا يعرف هِرًّا من بِرٍّ، أي: لا يميز من يكرهه ممن يحبه.[٤]
البر في المفهوم الشرعي
الصلة بين البرّ والإيمان صلة متلازمة، حيث إنّ مقتضياتهما مشتركة، وقد عدّ القران الكريم الإيمان برّاً؛ فقال الله تبارك وتعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)،[٥] وقد عرّف النبي -صلى الله عليه وسلم- البرّ بأنّه حسن الخلق، ففي الحديث الصحيح الذي رواه النّواس بن سمعان -رضي الله عنه- قال: (سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن البِرِّ والإثمِ؟ فقال: البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، والإثمُ ما حاك في صدرِك، وكرهتَ أن يطَّلِعَ عليه الناسُ)،[٦] وبهذا يُفهم أنّ البرّ اسم يجتمع في ظلاله أنواع الخير جميعها، وهو صفة لازمة لكلّ خلق حسن، ومن هنا فإنّ الإيمان برّ، كما أنّ العبادات بأبعادها الأخلاقية برٌّ، والمعاملات التي تقوم على أساس من النّهج الرّباني برّ.[٧]
خصائص الأخلاق في الإسلام
 الأخلاق في الإسلام هي اعتياد النفس الاستجابة للفضائل التي دعا إليها الشرع الحكيم الإسلامية في التعامل مع خلق الله -تبارك وتعالى-، بحيث يبتغي المسلم في ممارستها مرضاة الله -سبحانه-، وتمتاز الأخلاق الإسلامية عن غيرها بجملة من المزايا، لعلّ أهمّها ما يأتي:[٨]
_تتّصف بالثبوت؛ فهي لا تتغير بتغيّر الزمان أو المكان؛ فبرّ الوالدين على سبيل المثال واجبٌ شرعي ثابت، والصدق مسلك شرعي يُطالب به المسلم في كلّ ظروفه وأحواله؛ فلا تغيره المفاهيم المجتمعية المتغيّرة، ولا العادات السائدة في المجتمعات.
_تتحدّد بضوابط شرعية، ولا تُترك لأمزجة النّاس وأهوائهم؛ فالمسلم يرى أنّ الحسن ما استحسنه الشرع، والقبيح ما قبّحه الشرع، وتأكيداً على هذا المعنى يقول النبي -صلى الله علية وسلم-: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).[٩]
_ تخرج بصاحبها من حدود الأنا إلى فضاءات الغيريّة الواسع، ولا تقوم على أساس المبادلة، ولا بدافع انتظار المكافئة، بل يندفع المسلم إلى إظهارها إيماناً منه واحتساباً لمرضاة الله؛ ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ).[١٠]
_يُقبل المسلم على ممارستها والتّحلي بها عن طيب خاطر، يدفعه إليها محبّته لله -سبحانه-، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ).[١١]
_تعود على صاحبها بكلّ خير، وتبلغ به الدّرجات العلى عند لقاء الله -سبحانه-، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما ترويه أم المؤمنين، عائشة -رضي الله عنها-: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ).[١٢]
_يُشترط لاحتساب السلوكيات الأخلاقية في حياة المسلم ضمن أعماله الصالحة التي يستحقّ بها الأجر والمثوبة من الله تعالى حُسن النية وإخلاصها لله -عز وجل-، إذ إنّه -سبحانه- لا يقبل من الأعمال إلّا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، مصداقاً لقول النبي -صلى الله علية وسلم-: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى).[١٣]

المراجع
↑ رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن أبو الدرداء، الصفحة أو الرقم: 8027 ، صحيح. ↑ رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 3559 ، صحيح. ↑ عشق مبارك عبد الله، "حسن الخلق"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 27-12-2018. بتصرّف. ↑ "تعريف و معنى البر في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 29-12-2018. بتصرّف. ↑ سورة البقرة، آية: 177. ↑ رواه الإمام مسلم، في صحيح مسلم، عن النواس بن سمعان، الصفحة أو الرقم: 2553 ، صحيح. ↑ "مفهوم الأخلاق في الإسلام"، www.islamweb.net، 4-8-2002، اطّلع عليه بتاريخ 27-12-2018. بتصرّف. ↑ د. بدر هميسة، "الأخلاق في الإسلام"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 29-12-2018. بتصرّف. ↑ رواه النووي، في الأربعون النووية، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 41، حسن صحيح. ↑ رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 7427 ، إسناده صحيح على شرط الشيخين. ↑ سورة البقرة، آية: 165. ↑ رواه الألباني، في صحيح أبي داود، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 4798 ، صحيح. ↑ رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 1، صحيح.
كتابة زينه أبو عياش - آخر تحديث: ٠٩:١٨ ، ٣١ ديسمبر ٢٠١٨

__________________________________



https://docs.google.com/presentation/d/1-o_ZlAENcGb7Gvaha6nK_yaFnwDao0OLrM_C51kF0hI/edit?usp=sharing


الأربعاء، 29 أبريل 2020

وصايا الرسول ص للشباب





سلسلة {إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} (2)


وصايا
الرسول صلى الله عليه وسلم للشباب




بقلم:
أبي عبد العزيز طالب بن عمر
ابن حيدرة الكثيري
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين



 الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، أحمده ربي واستغفره، واسأله مزيدًا من فضله وشكره، وبعد:
 إن حديثي إليكم - معاشر الشباب- من خلال هذه الرسالة، سيتناول عنوانًا جميلاً: " وصايا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم للشباب ".
 ولماذا الشباب؟ أليسوا هم عدتنا؟ أليسوا هم سواعدنا؟ أليسوا هم أملنا الذي ننشد؟ أليس الشباب هم قوة الأمة؟ أليس الشباب هم عزيمة المستقبل؟ أليس الشباب سواد فتية وعقول نجيبة وقلوب صادقة؟ فما أجمل لو سارت إلى الله! وما أجمل لو استقامت على طاعة الله! يومها ستجد شبابنا، وهم في حلقات القرآن يزدحمون، وفي بيوت الله سبحانه وتعالى يجتمعون، يومها ستجد شبابنا فيهم القارئ التالي المجوّد لكتاب الله، وفيهم الفقيه المعلم المذكر بسنة رسول الله، فيهم أخوة إيمانية اجتمعت على طاعة الله عز وجل والدعوة إلى سبيله، فيهم عصبة مؤمنة قامت بأمر الله فأمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر، ولم تخف في الله لومة لائم، فهنيئاً لكم ـ يا شباب الإسلام ـ:


أيا شباب العلا والمجد والفـخرِ = ويا دعاة سمـوا بالديـن والنـصرِ
على بساط الرضا سيروا بمكرمة = فالكون من طرب قـد ضاع بالنشرِ
وطائر السـعد غنى بالهنا فرحاً = وجاء مبتسماً رضـوان بالـبشـرِ
فحبذا النور أهجى السالكين إلى = طريقة المصطفـى والـفوز بالأجـرِ
ونعم داراً بحـور العـين آهلة = جزاء ما صـبروا والخـير في الـصبرِ
فاهنأ بمقعد رضـوان ومغفرة = واقـرأ بتوئدة من آخـر الفـجـرِ
هنيئاً لشباب استقام على طاعة الله، هنيئاً لشباب أحب الله فأحبه، وتقرب من الله فقرّبه، فأصبح حبيباً ولياً لله تعالى. 
 ولماذا الشباب؟ لأن الشباب إذا تدهوروا في المعاصي، وسقطوا في الخنا والفواحش والسكر، يومها قل على هذه الأمة السلام، يومها ستنتشر الجريمة، ويعلو الفسوق، ويكثر الشر، ويعم الظلم، يومها سترى سواعد فتية لكن.. في الحرام، وقلوباً أبية لكن.. في الإصرار على الآثام، وعقولاً تفكر وتخطط وتبني مستقبل الإجرام، هكذا سيكون حال الأمة إذا فسد شبابها، وإذا ساروا على خطط أعدائها، يومها سنصل إلى مجتمع دنس قذر، يرى الزنا شرفاً، ويرى البطالة شغلاً، ويرى الفسوق والمعصية تاجاً ووقاراً يتزين به الشاب العاصي؛ فقل يومها على هذه الأمة السلام، واخسأ بهؤلاء شباب، واخسأ بهؤلاء رجال؛ إن سادوا مجتمعاً أفسدوه، وإن علوا على قومٍ أضلوه:


أيا شباب الخنا والفسق والسخرِ = ويا دعـاة إلى التضـليل والخـسرِ
إلى شواظ لظى سيروا بمخـزية = فالكون من ضجر أضحى على الجمرِ
وطائر النحس غنى بالشقاء لكم = والرب أوعـدكم بالويل في الحشرِ
لقد ضللتم فكان اللهو صنعتكم = والظلم شيـمتكم يا سـوءة الدهرِ
وبئس داراً بأبـدان توقـدها = جزاء عمرٍ مضى في الغي والسـكرِ
اخسأ فأنت بنار الخزي محترق = واقـرأ بغاشـية من أول السـطـرِ


 لذلك كان لابد لنا أن نقف مع هؤلاء الشباب، أن نخصهم بنصيحة، وأن نصدقهم بوصية؛ علهم أن يسلكوا مسالك الجد والشرف، علهم أن يبنوا لنا قصور العزة والتمكين، لكن هذه الوقفات ليست إلا تأملات في كلام رسول الأمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول المكرمات، كم أوصى صلى الله عليه وسلم الشباب، كم ذكر الشباب، كم حرص ـ بأبي وأمي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ على الشباب، أتظنون ـ يا معاشر الشباب ـ أن رسولكم عليه الصلاة والسلام قد غفل عن شؤونكم؟ أو عن اهتماماتكم؟ أو عن ما تواجهون؟ لا، قد تركها صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيضاء، ناصعة، واضحة، فهاكم الطريق فاسلكوا، وهاكم السبيل فأدرجوا، وسيروا إلى الله، فأنتم على بصيرة وهدى ورضوان.
" وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم للشباب " ولماذا الرسول عليه الصلاة والسلام بالذات؟ لأنه – أخي الشاب- أنصح قلب، وأصدق لسان، وأهدى بشر صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه الناصح الذي ما ترك من خير إلا ودلنا عليه، وما ترك من شر إلا وحذّرنا منه؛ لأنه الذي أحبك ولم يرك، أحبك صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولما يراك، قال عليه الصلاة والسلام: (وددت أني لقيت إخواني)، فقال أصحابه: أو ليس نحن إخوانك؟ قال:( أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني )، تمنى عليه الصلاة والسلام أن يراك ـ يا فتى الإسلام يا شاب الأمة ـ لكن.. لو أنه رآك عليه الصلاة والسلام كيف سيرى من حالك؟ وماذا سيسمع من أخبارك؟. 
 أخي الكريم، اعرض نفسك على وصايا رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو بك رءوف رحيم، اعرض نفسك على هذه الوصايا، ستجد بلسماً لجراحك، ستجد هدى لضلالتك، ستجد ما كنت تبحث عنه، ستجد قلباً صادقاً، ونصيحة خالصة، وتوجيهاً نبوياً كريماً.
 أقف معكم في هذه اللحظات مع خمس وقفات من هدي رسولنا عليه الصلاة والسلام خير البريات، خمس لكنك بحاجة لها ولا شك، خمس فعضَّ عليها، وافتح صدرك لها، وأعقلها وتدبرها، واعزم على أن تعمل بها وتستجيب لها.
إذاً لنسلك سبيلها، ولنسبر أغوارها. 
الوقفة الأولى: الشباب فترة العمر الذهبية.
ثم الشباب ونيران الشهوة.
ثم الشباب وانحراف العواطف.
ورابعاً: الشباب والقوة والفتوة.
وآخر وقفـاتنا: الشباب واستغلال الطاقات.
 فأسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياك لتـعلم ما ينفـعنا، وأن ينفعـني وإياك بما تعملنا، وأن يرزقـنا إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أعلى جنة الخلد، اللهم آمين، اللهم واجمعنا بأحبتنا - الذين أحببناهم فيك- أبدية سرمدية تحت لواء محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. 


أول الوقفات: الشـباب فترة العمـر الذهبيـة:
 لذلك حثك رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تستثمرها، وأن تستفيد منها، بل أن تبذل قصار جهدك في أن تخرج بعظيم الثمرات؛ بأن تبني لك علماً نافعًا وعملاً صالحًا، بأن تصنع لأمتك بطولةً وتاريخاً، بأن تزكي أخلاقك وتؤدب نفسك على العادات الكريمة والآداب الرفيعة.
 الشباب هي فترة عمرك الذهبية التي لا تعوضها فترة، كنت طفلاً لا تستطيع أن تقوم فتمشي، ثم قمت لكن.. لتحبو، ثم سرت لكن.. لتسقط، ثم أصبحت فتياً تسير تهد الأرض، تسرع في مناكبها، وتمشي في طرقها، وتصنع وتصنع، لكن لا تنس أن لك مثل الأولى، ستعود ـ إن أذن الله ـ شيخاً كبيراً هرماً لا تستطيع الركض، بل لا تمشي إلا على عكاز، ثم قد تعود بعدها لا تمشي إلا حبواً، ثم قد تصير بعد ذلك لا تستطيع الحراك، وقد ترهّلت عضلاتك، وضعفت قوتك، وذهب سمعك وبصرك، تذكّر تذكّر ـ أخي الشاب ـ أن الشباب وقت البناء الحقيقي، وقتٌ تستغله في طاعة الله، ووقتٌ تستثمره في عبادة الله، وأفضل سنين عمرك، فلا تُضيع الشباب.
 هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأولى لك؛ روى الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، يقول عليه الصلاة والسلام: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك )، اغتنم هذه الخمس؛ فإنها إن ذهبت لا تعود، فمن يعيد لك الشباب؟.
 أخي المبارك الكريم، هذا وقت العمل، فاستغله قبل أن يأتي وقت تتمنى لو تعمل لكن لا تجد، هذا وقت البذل، هذا وقت العطاء، هذا وقت التضحية، هذا وقت الفداء، فاستغل شبابك في طاعة الله عز وجل، فإنك عن هذه النعمة مسئول، وإنك بين يدي الله موقوف، إن وقفت ـ وربي ـ بين يدي الله لن تزول قدماك حتى تُسأل (لا تزولا قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه) لن تزول قدمك من عند الله (حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟) رواه الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فهل أعددت لهذا السؤال جواباً؟ وهل أعددت لهذا الجواب صواباً؟ ستسأل سؤالاً عامًا عن جميع عمرك، وستسأل سؤالاً خاصاً عن شبابك، في ماذا ضيعت في الشباب؟ وماذا قدمت في سن الشباب؟ إن كنت عملت صالحاً لما كنت صغيراً؛ فحفظت القرآن، وزاحمت في المساجد، إن كنت عملت صالحاً لما أصبحت كبيراً؛ فلزمت بيوت الله، لكنك ماذا ستجيب إذا سئلت خاصة عن فترة الشباب؟ في أي شيء أبليت شبابك؟ ما الذي فعلت في هذه المرحلة؟ وفي أي جنب قصّرت؟ ماذا سيكون الجواب؟ تذكّر هـذا حتى تصنع له جواباً إذ ما زلت في فترة الشباب، وإلا فاعلم، كما أصبحت قوياً بعد ضعف، ستصبح ضعيفاً بعد قوة {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ }الروم54، فاتقِ عليماً علم ما فعلت، واتقِ قديراً يعاقبك ويراقبك بما صنعت، واستعدّ ـ أخي في الله ـ لأن تصنع من شبابك طاعة لربك ومستقبلاً مشرقاً في العمل الصالح، استعد أن تخطط لهذا الشباب فيما ينفعك يوم القيامة إذا قمت بين يدي الله سبحانه وتعالى للحساب، هكذا ندم الكثير، لكن بعد أن أضاعوا الشباب، فاحرص ألا تكون منهم:
بكيت على الشباب بدمع عيني = فما نفع البـكاء ولا الـنحيب
فيا أسفاً أسـفت على شـبابٍ = نعاه الشيب والرأس الخـضيب
عريت من الشباب وكان غضاً = كـما يعرى من الورق القضيب
ألا ليت الشبـاب يعود يـوماً = فاخـبره بما فعـل المـشـيب
سيذهب -وربي- شبابك، وسيقرب -وربي - حسابك، فاتق الله عز وجل،
واعمل لجنةٍ غداً رضوان خازنها = الجار أحمد والرحمن بانيها
 إن سألتم ـ يا شباب ـ عن قصورها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وإن سألتم عن فراشها فالياقوت والمرجان، وإن سألتم عن تربتها فالزعفران، فهنيئاً لكم هذه الجنة، جنة لن يفنى فيها الشباب، ولن تبلى فيها الثياب، يقول عليه الصلاة والسلام: (الجنة بناؤها لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، وملاطها المسك الأزفر، وحصباؤها الياقوت والمرجان، وتربتها الزعفران) تخـيلوا جنة بهذا الوصف البـديع؛ لبنة ذهب ولبنة فضة وياقوت ومرجان، وتراب أرضـها الزعفران، يقول عليه الصلاة والسلام: (من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم)، اللهَ اللهَ - يا شباب - لنسير إلى هذه الجنة، لندخل من أبوابها، لنسابق أهلها، لنستبق درجاتها، فهناك الحياة الحقيقية، وهناك الشبيبة الحقيقية التي بها نسعد فلا نبأس، ونخلد فلا نموت.
 هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوصاكم أن تغتنموا سني الشباب، أوصاكم أن تعدوا سؤالاً خاصاً لفترة الشباب، ووعدكم عليه الصلاة والسلام جنة لا تبلى فيها الثياب، ولا يفنى فيها الشباب.


 ووصيتكم الثانية من هدي رسولكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم لتسلكوا الجنة العالية، أقف وإياكم فيها حول أمر يهمكم، وموضوع يشغلكم: الشباب ونيران الشهوات:
استـعرت بهم من كل مكان، وازدحمت عليهم من كل خطب وحدب، حتى صار الشاب إذا نظر ببصره وقع على الحرام، وإذا أطرق بسمعه سمع الحرام، وإذا خلا توارثت على قلبه أفكار الحرام، وخيالات المعصية والآثام.
 أصبح كثير من الشباب ـ للأسف ـ يوقد بنار الشهوة، فلا يستطيع أن يطفيها، ولا يجد سبيلاً لأن يدفعها، وما ذاك ـ للأسف ـ إلا لأنهم أعرضوا عن وصية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتوجيهه.
 أخي الشاب المتعفف، والله ما نعجب من شاب أرقته الشهوة، فالأصل في الشاب أن يكون متوقد الشهوة، لكن إن ربك ليعجب من شاب لا صبوة له، هذا الشيء العجيب الذي خرج عن أقرانه، وأما الشاب الذي يُسعر بنيران الشهوات وتطارده هذه الإغراءات، فالأمر ليس عليه بعجيب، لا، ليس بعجـيب، لكن السـؤال: ما هو السبيل الذي يواجه به الشاب سعار الشهوات التي تتخطفه من كل مكان؟ نعم ـ أخي الشاب ـ لا نظنك أبداً مخصياً، ولا تسعى لذلك، بل يجب أن تبقى فيك نيران الشباب حتى تصنع لنا أجيال النصر، وحتى تبني لنا فتية يرفعون راية الله الملك العلام، وينشرون سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، جاء أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما أخرج هذا الإمام النسائي رحمه الله تعالى بسند صحيح، قال: " يا رسول الله، إني رجل شاب قد خشيت على نفسي العنت، ولا أجد طولاً أتزوج النساء؛ أفأختصي، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:( يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاقٍ؛ فاختص على ذلك أو دع) ما رضي له صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، بل أعرض عنه، وأعرض عن سؤاله عليه الصلاة والسلام؛ لأننا نعلم أنه لابد أن يواجه الشاب حرباً من نيران الشهوات، ولابد أن يجد الشاب أسباباً تدعوه لمثل هذه الملذات، وهنا يظهر الإيمان، وهنا يُبحث عن العلاج، وهنا تأتي وصايا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
 أخي الشـاب المؤمن، لا أقول هذا تبريـراً لما قد يحدث منك من زنى البصر، أو زنى السمع، أو زنى القلب الذي يشتهي ويتمنى الحرام، أو- والعياذ بالله من كبيرة الذنب- أن تقع في زنى الفرج، لكني أقول لك ذلك لكي تعلم أنك في حرب لو انتصرت فيها دخلت الجنة إي وربي دخلت الجنة، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم: (يا شباب قريش، احفظوا فروجكم؛ لا تزنوا، ألا من حفظ فرجه فله الجنة) رواه الحاكم والبيهقي، وفي رواية للبيهقي يخاطبكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويخاطب أمثالكم يقول عليه الصلاة والسلام: (يا فتيان قريش، لا تزنوا؛ فإنه من سلم له شبابه دخـل الجنة) اسمعها مرة أخرى إن سلم شبابك من الحرام، إن سلم شبابك من الوقوع والتلطخ في هذه الآثام، إن مرت فترة شبابك وفترة صبوتك على ما أمرك الله، وعلى ما حثك رسول الله فأبشر وأمّل (ألا من حفظ فرجه فله الجنة) (من سلم له شبابه دخل الجنة) هكذا يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أبشروا ـ معاشر الشباب خاصة ـ إذا جاء الناس يوم القيامة، ودنت منهم الشمس، ورشح بهم العرق، واشتد عليهم الزحام، جاء الشـاب العفيف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، وسبعة وأي سبعة؟ سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، يقول عليه الصلاة والسلام اسمع للمواجهة، وانظر للتحدي، ثم فجّر في نفسك الإيمان، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (.. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال) دعته في التلفاز وقالت: هيت لك، ودعته في الغناء وقالت: هيت لك، وتعرّضت له في الشارع وقالت: هيت لك، واتصلت عليه بالهاتف وقالت: هيت لك، وزينها في عينه أصحاب السوء..، لكنه قال أتدرون ماذا قال؟ (فقال: إني أخاف الله) كلمة عظيمة، وزنها الله سبحانه وتعالى بموازين الفضل، فجعل صاحبها في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، هنيئاً لك هذه المكانة، وهنيئاً لك هذه المنزلة { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } الشعراء 88 - 89، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً}آل عمران30، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ}عبس34، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}الانفطار19، هنيئاً لك أن جعلك الله سبحانه وتعالى في هذا المكان العظيم، وفي هذا المنزل الكريم، فاحفظ شبابك عن الحرام، وصن فرجك عن الآثام، وأبشر فقد وعدك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة.


معاشر الشباب، أتريدون السبيل لهذا والعلاج الذي يعصمكم الله به من مرض الشهوات؟ اسمعوا لوصية رسولكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول علقمة رحمه الله تعالى: " كنت أمشي مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بمنى، فلقيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقام معه يحدثه، فقال: يا أبا عبد الرحمن ألا أزوجك جارية شابة؛ فلعلها أن تذكرك بعض ما مضى منك، فقال عبد الله: أما لئن قلت ذاك، لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع منكم فعليه بالصوم فإنه له وجاء )، هذه هي وصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، شكوت من عينيك؟ ما تستطيع أن تغمضها عن الحرام؟ خفت على فرجك أن يقع في المعصية والآثام؟ فهاك السبيل (من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر) يجعلك تغض بصرك، (وأحصن للفرج) يجعلك تحصن فرجك، نعم - أخي الشاب - اسعَ للزواج بقدر ما تستطيع، فليس لهذا الزمان مثل الزواج، حتى إذا رأيت ما رأيت وثارت في نفسك نيران الشهوات، توجهت إلى أهلك؛ ذهبت إلى زوجك، فأطفأت ما في جوفك، ووجدت عند زوجتك ما عند هذه وهذه وهذه. 


 أخي الشاب، لن تجد أبداً مثل الزواج، وحتى الصوم، وإن كان هو العلاج الثاني، لكنه ليس مثل الزواج، نعم، ليس الصوم مثل الزواج، حتى الصائم قد تدفعه نفسه أحياناً للحرام، جاء شاب إلى رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا رسول الله، اقبل وأنا صائم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (لا) ثم جاء شيخ، فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (نعم) قال: فنظر بعضنا إلى بعض، فقال عليه الصلاة والسلام:(إن الشيخ يملك نفسه) أما الشاب ـ ولو كانت زوجته ـ لكننا نخاف إذا قبلها وهو صائم ثم داعبها وهو صائم، ثم لاعبها وهو صائم أن يقع في الحرام، فيجامعها وهو صائم ـ والعياذ بالله ـ. 
 أخي في الله، إن الصوم يضعف الشهوة، ويقلل جريانها في الدم، وخصوصاً إذا صمت صياماً حقيقياً؛ فصمت عن الطعام، وصمت عن النظر إلى الحرام، وصمت عن سماع الحرام، وصمت عن الجلوس في مجالس تذكرك بالحرام، يومها إذا صمت هذا الصيام، فأبشر بأنك ستترك سبل الحرام، فاحرص ـ بارك الله فيك ـ احرص على الصوم إلى أن تتزوج، واحرص على الزواج بأسرع ما تستطيع، اجمع له مالاً بأسرع ما تستطيع، ادّخر من ملذاتك، ادّخر من زينتك، واجمع ـ سريعاً ـ للزواج، تنازل عن بعض شروطك، تنازل عن بعض رغباتك في زواجك؛ لتتزوج سريعاً، اقنع أهلك بما تستطيع، حثّهم على ذلك، ذكّرهم بالله، أرسل لهم الرسول بعد الرسول، تزوج مع غيرك، افعل ما تستطيع، فكّر بجد، ستأكلك نيران الشهوات، إن لم تعتصم بوصية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج). 


 والعلاج الثالث، والوصية النبوية الكريمة: أن تغض بصرك عن الحرام: ما بالك ـ أخي في الله ـ تأتينا تشتكي أنك لا تستطيع أن تمسك نفسك من الزنا ـ والعياذ بالله ـ إلا أن تفعل الحرام؛ تفعل العادة السرية، ألم يكن هناك سبيل غير هذا؟ لماذا لم تكف بصرك الذي دعاك لهذا الأمر عن الحرام؟ غضّ بصرك عن الحرام، غض سمعك وجنب سمعك الحرام، لماذا تستمع ليلاً ونهاراً لأغاني المجون والفسق؟ لماذا تنظر، ولو للقطات سريعة، لكنها لقطات تعري وإباحة وفاحشة؟ لماذا تفعل هذا؟ ثم تتعجب أن نفسك دعتك للحرام! اتقِ الله عز وجل، إن شاباً نظر إلى شابة فدفعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم دفعاً شديداً فسئل عن ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: (رأيت شاباً وشابة فلم آمن من الشيطان عليهما) فكيف أمنت على نفسك وأنت تنظر هذه الصور الخليعة الماجنة؟ كيف أمنت أنت على نفسك وأنت تجلس مع شباب يزينوا لك الخطيئة والرذيلة؟ كيف أمنت على نفسك؟ وقد زنيت ببصرك، ثم زنيت بسمعك، ثم أنت تزني بقلبك؛ فإذا نمت فكّرت في الحرام، وإذا خلوت فكرت بالحرام، وإذا جلست مع أصحاب السوء خططت وعزمت على الحرام، فاتق الله عز وجل، فإن الفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه، فكذّب هذا بعفة فرجك عن الحرام، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)، متفق عليه، وفي رواية لمسلم: (فالعينان زناهما النظر- وقد زنيت أخي الشاب بنظرك- والأذنان زناهما الاستماع - وقد استمعت وزنيت إن لم تتق الله بإذنك- واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه)، فاحفظ فرجك عن الحرام بوصايا رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم. 
 يا شباب الإسلام، هاكم من أخبار شباب الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولو كانوا في ذلك الزمان، أتظنون أنهم ما يخطر عليهم الحرام؟! وما تحدّث بعضهم نفوسهم بالحرام؟، بلى، لكنهم خطموها بطاعة الله، وألزموها بتقوى الله، واستوصوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوصّاهم، وسألوا رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأرشدهم ووجهم، وإليك هذه الوصية العظيمة: عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: إن فتاً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، انظر إلى أي درجة بلغ به الأمر، انظر ماذا يسأل، بلغ به الأمر كل مبلغ، لكنه قبل أن يفعل شيئاً من هذا ذهب يستوصي أنصح ناصح، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أخي في الله، ما كان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليأذن لأحد مهما كان بالزنا، لكن وصّاه وأرشده، وفي العفة والخير سبيل كفاية، لكل من أراد له الشيطان أن يقع في الغواية، قام الناس يزجروه قالوا: مه مه، لكن رسولنا عليه الصلاة والسلام قال: (ادنُ) فأدناه منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقرّبه منه عليه الصلاة والسلام، هكذا كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يحتفي بالشباب، ويقرب الشباب، ويدني الشباب، هكذا كان عليه الصلاة والسلام يسمع مشاكل الشباب، ويحلّها لهم، قال:( ادنُ مني) فدنا الشاب من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتخيل نفسك ـ يا شاب الإسلام ـ الآن يا من تحدثك نفسك بالحرام، تخيل نفسك الآن بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ماذا ستقول له؟ أو ماذا سيقـول هو لك؟ أتـدرون ماذا قال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قال له: (أتحبه لأمك؟) أجب ـ أيها الشاب ـ أجب يا من لعلك فكرت في الزنا ـ والعياذ بالله ـ أتحبه لأمك؟ أتحبه أن يقع في أمك؟ أتحب أن تكون أمك زانية؟ قال: لا، جعلني الله فداءك يا رسول الله، قال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (والناس لا يحبونه لأماتهم) فقال: (أتحبه لبنتك؟) قال: لا جعلني الله فداءك يا رسول الله، قال: (والناس لا يحبونه لبناتهم) انظر كيف فجّر فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الغيرة، حتى يغار على عرضه؛ لأن الزنا دين، اعلم أن الزنا دين، تزني ببنات الناس، ويُزنى ببناتك، وتزني بأمهات الناس، ويُزنى بأمك، فاتق الله سبحانه، قال: (أفتحبه لأختك؟) قال: لا جعلني الله فداءك، قال: (والناس لا يحبونه لأخواتهم، أفتحبه لعمتك؟) فكّر في هؤلاء قبل أن تفكّر في الزنا؛ فكّر في هؤلاء (أفتحبه لعمتك؟) قال: لا جعلني الله فداءك، ثم وضع صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده على صدره، وقال: (اللهم اهدِ قلبه، وحصّن فرجه، واغفر ذنبه) فكان هذا الشاب بعدها يمضي ولا يلتفت إلى شيء، لم تعد تؤثر فيه الشهوات؛ لأن رسوله عليه الصلاة والسلام أوقد في نفسه نيران الغيرة، فأطفأت من حوله نيران الشهوة، لم يعد هذا الشاب يلتفت بعدها للحرام؛ لأن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكّره بأمر عظيم، ذكّره أنه يحب هذا الدين، ويفدي الرسول عليه الصلاة والسلام ويفدي الإسلام بنفسه وماله، فكيف وقد باع نفسه لله؟ كيف يفكر بعد ذلك أن يوبق نفسه في معصية الله؟.
 أخي في الله، كن كهذا الشاب؛ شاب عاهد نفسه كلما نظرت وسرقت إلى الحرام أن يغمضها، ثم يقول خمس مرات: أشهد أن لا إله إلا الله، يتذكّر العهد والعقد الذي بينه وبين ربه، فيهون عليه الحرام، فيزول عنه التفكير في الإثم والمعصية؛ لأنه تذكّر رباً علاماً، وتذكّر إلهاً يأخذ بالذنب والمعصية فتذكّر ذلك، وتذكّر حتى لو وقعت في الحرام، وحتى لو تلطّخت بالخطيئة، أنك لست بالمعصوم، ولا نطالبك أبداً أن تكون معصوماً، قد تكون وقعت - للأسف - في ساعة ضعف في هذا الحرام، فكن شجاعاً وأقبل على الله، وكن شجاعاً وتب إلى الله، وأعلنها بشجاعة وصدق توبة صادقة إلى الله، قاطع كل الأسباب التي دعتك للحرام، وفارق كل الأصحاب الذي شجعوك على الحرام، وخالط رفقة طيبة، واسلك سبيل الخير.
 واسمع لخبر شاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه امرأة مرت بالسوق في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكانت تحمل صبياً لها، صبياً من الزنا، فثار عليها الناس، حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال لها عليه الصلاة والسلام: (من أبو هذا معكِ؟) فقال شاب حذوها: أنا أبوه، يا رسول الله، فأقبل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (من أبو هذا معكِ؟) فقال الشاب ثانية: أنا يا رسول الله، فنظر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى بعض من حوله يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلا خيراً، فقال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أحصنت؟) قال: نعم، فأمر به صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرجم، قال: فخرجنا به، فحفرنا له حتى أمكنا، ثم رميناه بالحجارة حتى هدأ؛ حتى مات، وهذا حد الزاني المحصن المتزوج، ثم جاء رجل يسأل عن هذا المرجوم، فقلنا: يا رسول الله، إن رجلاً جاء يسأل عن ذاك الخبيث، فقال عليه الصلاة والسلام: (لهو أطيب عند الله من ريح المسك) التائب حبيب الرحمن، التائب يحبه الله، التائب يقربه الله سبحانه، إي والله، أي دمعة أصدق من دمعة تائب سالت لوجه الله؟ فمسحت الخطيئة، وأزالت المعصية، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، العائد إلى الله ذاك الشاب الذي فرح الله بتوبته، وأكرم الله سبحانه وتعالى أوبته، فأقـبل - أخي المبارك- إلى الله بتوبة صادقة، واستقبل ما بقي من شبابك بعودة لله راشدة، وأبشر وأمل {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ } تدرون لماذا لا تقنطوا من رحمة الله؟ { إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}الزمر53، (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون، فيغفر الله لهم) أخي التائب، قد سمّى الله نفسه غفاراً، قد سمى نفسه عفواً براً رحيماً، فاسترحم الله الرحيم يرحمك؟ واستغفر الله الغفور يغفر لك؟ وابشر وأمل، وعد إلى الله، واستقبل عهداً جديداً، وميلاداً سعيداً، كان التائبون أمثالك، بل أسوأ، ثم أصبحوا أئمة، وأصبحوا دعاة، وأصبحوا علماء، وأصبحوا عباداً، وهذه قوافل العائدين، وقصة التائبين الأوابين تحدثك عن أخبارٍ وأخبار، وتشجو إليك بأسرارٍ وأسرار، فكن منهم، واسلك سبيلهم، وحصّن فرجك بالحلال، وحصن قلبك بطاعة الله الكبير المتـعال. 
الوقفة الثالثة: الشباب وانحراف العواطف:
 الشباب يتوقد عاطفة، لا تجد عاطفة أصدق من عاطفة الشباب، تجده إذا جاء معك، جاء معك بكل قلبه وبكل جوارحه، تجده إذا أراد أمراً ضحى بالذي أمامه والذي خلفه، ولم يسمع بعده لأحد، لكن ـ للأسف ـ أحياناً تكون العاطفة عاصفة، فتحرفه يمنة أو يسرة، لذلك كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوصي أمثال هؤلاء الشباب، يرشدهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم كيف تكون عواطـفهم؟ وفي أي شيء تُستـغل؟ وإلى أين توجّـه؟ يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال؛ فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) هكذا وجّه طاقتك، ولهذا وجّه عاطفتك، وجه عاطفتك في حب الناس، وفي السعي للخير لهم، وإياك إياك مهما كانت عاطفتك أن تظلم أحداً على حساب قريب أو مجاملة صاحب أو رفيق، وجّه عاطفتك في حب الله، وإسلام الوجه لله، وأكثر أكثر من عبادة الله، أخي الفاضل، هذه العاطفة إن لم تتوجّه إلى الله انحرفت بك، إن في القلب فطرة تدعوك للعبودية، إن لم تجعل قلبك يركع ويسجد لله ركع وسجد لغيره، من لم يحب الله أحب غيره، ومن أحب غير الله عُذّب به، كما يقـول طبيب القلوب ابن القيم رحمه الله تعالى، انظر لقلبك الآن يعشق من؟ ويهوى من؟ ويضحي لأجل من؟ ويسهر لأجل من؟ إن لم تجعل في قلبك الله هنت على الله، فأذلك الله بالمعصية، فأصبحت طاقتك وعاطفتك فيما لا يساوي شيئاً، أصبحت حياتك لأجل امرأة تحيض وتغوط وتبول وتمتخط، لأجل ولد أمرد، لأجل مكان سوءة وعورة، لا أقبح منه، لكن هكذا الشيطان إذا طُمست البصيرة، فاجعل قلبك مع الله، ألزمه العبادة، ألزمه القرب إلى الله، ضحِّ بالأوقات، اسهر الليالي، أنفق الأموال، اسجد واركع لكن لربك، شاب نشأ في عبادة الله، جاء شاب إلى محمد فقرب لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضوءه في ساعة من الليل، وشبابنا في الليل أين هم؟ أين شبابنا في الليل؟ منهم من يقترف الحرام، ومنهم من يجلس على قنوات الحرام، لكن هذا الشاب في هذه الساعة قرّب لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضوءه في ساعة من الليل، فقال: (من؟) فقال: ربيعة، اسم شاب من شباب الأنصار، فقال عليه الصلاة والسلام: (يا ربيعة، سل ما تريد؟) شاب لم يتزوج بعد، شاب له أفكار وأفكار، وأحلام وآمال، لكن لما سمع الطلب من رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تدري ماذا أراد؟ إنها الهمة يوم أن تسمو لا ترضى إلا بالجنة، ويوم أن تسفل ترضى بالسوءة والعورة، تدري ماذا أراد؟ قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، أسألك مرافقتك في الجنة، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهذا الشاب: (أو غيرها يا ربيعة؟) فقال: بل هي يا رسول الله، قال: يا ربيعة، أعنِ على نفسك بكثرة السجود) أما إنك ما سجدت لله سجدة إلا رفعك الله درجة، أما إنك ما سجدت لله إلا تقربت إلى الله، أما إنك ما سجدت لله في جوف الليل الآخر وأقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد، وأقرب ما يكون الله من العبد في ثلث الليل الآخر، يومها تقرُب من الله، ويقرب الله منك، يومها - يا عبد الله - اسجد واقترب، إي وربي تسجد وتقـترب، تقترب مِن مَن؟ تقترب من ربك سبحانه.
أخي في الله، علّق قلبك بالمساجد، عاطفتك هذه اجعلها في المسجد، اجعل وقتك ومالك وجهدك كيف تحيي رسالة المسجد؟ كيف يُعمّر هذا المسجد؟ كيف تصلي فيه؟ كيف تعتكف فيه؟ كيف تختم فيه القرآن؟ كيف تملأه بحلقات الشباب؟ يحفظون كتاب الله، ويتعلمون سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا تجعل عاطفتك معلقة بأمر تافه، علّق بعض الشباب قلوبهم بكرة منفوخة تطاردها الأقدام، فتجده يسهر لها، ويسعى لها، ويجلس في الشمس لأجلها، ويفكر ويحلم، أي شيء هذه؟ عواطف والله إن لم تتعلق بالله تعلقت بهذا الدون، فاتقِ الله عز وجل، عاطفتك هذه إن جعلتها لأحد، فاجعلها لرجل تحبه لله، تجتمع معه لله، وتفترق معه لله، اجعل عاطفتك مع أخٍ صادق، تؤاخيه في الله، تسامره في الله، تساعده لله، تحبه لله، إن جلست معه ذكّرك، وإن ذكرت أعانك، وإن قمت بالخير شجعك، وإن نسيت نبهك، ابحث عن هذا الشاب وأعطه عاطفتك، لكن لله، كم من شاب أحب شاباً في غير الله عز وجل فذل، وأصبح أضحوكة الناس في مجالسهم، فاجعل العاطفة هي العاطفة الباقية؛ لأن ربي وربك يقول: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }الزخرف67، فاجعلها أخوة تقوى، وأخوة إيمان. 
 أخي في الله، مهما كانت عاطفتك هذه فروِّها بخوفك من الله، وصدقـك مع الله، حتى لو تُحـديت بأعظم تحدي، حتى لو دعتك امرأة ذات منصب وجمال، صحت: إني أخـاف الله، اجعل عاطفة الخوف من الله تغلب أي عاطفة تدعوك للموبقات، أو تيسر عليك طريق المحرمات، هكذا فليكن الحب، وإلى هذا فلتتوجه العاطفة، أموال يُتصدق بها لوجه الله تُخفى عن أعين الناس؛ لأننا لم نعد نريد مع الله سبحانه وتعالى أحداً من الناس، لم نعد نطلب بأعمالنا مع الله شريكاً، قلوبنا توجهت إلى الله، حتى إذا خلونا، وفكّر الناس في التـفاهات، وحلم الناس بالسخافات، وخلونا نحن، وما تجرأنا على معصية الله، بل ذرفت أعيننا يوم أن تذكرنا لقاء الله، إياك أن تكون كرجلٍ له أعمال كجبال تهامة بيضاء يجعلها الله يوم القيامة هباء منثوراً، ذاك رجل نحقر صلاتنا إلى صلاته، يأخذ من الليل كما يأخذ الصالحون، لكنه ـ للأسف ـ إذا خلا بمحارم الله انتهكها، بل كن من رجال إذا ذَكر الله أحدهم خالياً فاضت عيناه، فلتتوجه العواطف إلى هذا، ولنستـغل عواطفنا الجيّاشة حباً وتضحيةً وفداءً لله وفي الله.
 يا شاب الإسلام، إن رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث أنس رضي الله تعالى عنه، دخل على شاب وهو في الموت، فقال: (كيف تجدك؟) - اسمع أخي الشاب - قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، قال عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف) فأحكموا عواطفكم، واعتدلوا في اندفاعاتكم، لا نريد الشباب الذين توسع معهم باب الرجاء، حتى ترك الصلاة وقال: ربي غفور رحيم! فعل الحرام وقال: ربي غفور رحيم! أقبل على المعاصي وما حدث نفسه بالتوبة وقال: ربي غفور رحيم! نعم { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {49} وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ} الحجر 49 - 50، فخف من الله، خف من الله سبحانه وتعالى، لا نريد شباباً بالغـوا في الغلو، حتى شطحوا ووسوسوا، وظنوا أن لا سبيل إلى رحمة الله، فقنطوا من رحمة الله عز وجل، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، فما رجعوا إلى الله سبحانه وما استغفروا، لا، لنتـزن ـ يا معاشر الشباب ـ لنتـزن في انفعالاتنا، لنتـزن في عواطفنا، لنتـزن في شهواتنا، لنتـزن في غضبنا، المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، والشديد ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، فلنضبط هذه الانفعالات، وهذه العواطف، حتى لا تنحرف بنا. 
 عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنت غلامًا شابًا عزبًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أبيت في المسجد، فكان من رأى منا رؤيا يقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: اللهم إن كان لي عندك خير؛ فأرني رؤيا يعبرها لي النبي صلى الله عليه وسلم، فنمت، فرأيت ملكين أتياني فانطلقا بي، فلقيهما ملك آخر، فقال: لم ترع، فانطلقا بي إلى النار؛ فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها ناس قد عرفت بعضهم، فأخذوا بي ذات اليمين، فلما أصبحت ذكرت ذلك لحفصة، فزعمت حفصة أنها قصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:( إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل)، قال: فكان عبد الله يكثر الصلاة من الليل، فانظر لنفسك، لعل الله ذكرك بمثل هذه الذكرى، ووعظك بمثل هذه الرؤيا، رؤيا خير، ورؤيا هداية ودعوة إلى الصلاة، فأكثر من الصلاة، وأكثر من العبادة، وعد بنفسك إلى الإكثار من طاعة الله. 
 وهذا عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما يقول: جمعت القرآن في ليلة، قرأ القرآن في ليلة، فقال لي عليه الصلاة والسلام: (إن أخاف أن يطول بك زمان فتمل، فاقرأ القرآن في شهر) فقلت: يا رسول الله، دعني أستمتع بقوتي وشبابي، انظر يستمتع بطاعة الله؛ يتلذذ بالقرب من الله، هؤلاء شباب الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: (فاقرأه في عشر) فقال: يا رسول الله، دعني أستمتع بقوتي وشبابي، فقال عليه الصلاة والسلام: (اقرأه في سبع) فقلت: يا رسول الله، دعني أستمتع بقوتي وشبابي، فأبى، أبى عليه الصلاة والسلام؛ فلا تنحرف بعواطفك إلى الزيادة والغلو، وما لا تستطيع، والزم هدي رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إياك أن تقنط من رحمة الله، وإياك أن توسع دائرة الرجاء في جنب الله، وأنت مصر على المعصية والذنب، وزن نفسك، زن نفسك بطاعة الله سبحانه وتعالى.
 ومن أخبار الشباب في عهد رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ حتى تعلم كيف ساروا إلى الله؟ وكيف قوّموا عواطفهم على طاعة الله، شبابٌ وأي شباب؟ جيل الصحابة رضوان الله تعالى عنهم وأرضاهم: هذا زيد بن ثابت يأمره أبو بكر الصديق الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه أن يكتب القرآن، قال أبو بكر: " يا زيد، إنك شاب عاقل، لا نتهمك، قد كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الوحي، فتتبع لنا القرآن "، قال: فوالله لو أنهم كلفوني بنقل جبل كان أهون عليّ من هذا، فتتبعت القرآن من الرقاع وصدور الرجال، شابٌ لكن شغل نفسه بطاعة الله، وسخر طاقته وذكاءه وجهده فيما يرضي الله عز وجل، فكان ممن حفظ القرآن، وكان ممن كتب القرآن، وممن جمعه لنا ـ يا شباب الإسلام ـ أين أنتم من القرآن؟ أين أنتم من القرآن؟ فيه الإيمان وأعرضتم؛ فوقعتم في الضلالة، فيه الهدى وأعرضتم؛ فوقعتم في العصيان، فأقبلوا على كتاب ربكم، والزموا هديه، واقرؤوا آياته، واحفظوه في صدوركم، وانشروه بين الناس. 
 وشاب آخر مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه قال: جئنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونحن شبيبة، فأقمنا عنده عشرين ليلة، عشرون يوماً قصَّها من إجازتك، فرغّها من وقتك، واذهب بها لتتعلم العلم، وتستفيد وترجع وتفيد ـ يا شاب الإسلام ـ قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رفيقاً رحيماً بنا، فظن أننا قد اشتقنا لأهلنا، فسألنا عن أهلنا ومن تركنا فأخبرناه، فقال عليه الصلاة والسلام: (ارجعوا إلى أهليكم، فكونوا فيهم، وعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي؛ فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم) هكذا جاء هؤلاء الشباب ليتعلموا العلم، ثم ذهب هؤلاء الشباب لينشروه في أقوامهم، فكن حامل مشعل هداية ـ أيها الشاب ـ واحمل هذه الراية؛ راية {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }فصلت33.
 وهذا شاب ثالث؛ علي رضي الله تعـالى عنه يبعثه رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن، يقول رضي الله عنه: بعثني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، تبعثني إلى اليمن وأنا شاب أقضي بينهم ولا أعرف القضاء! قال: فوضع صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده على صدري، وقال: (اللهم اهدِ قلبه، وثبت لسانه) قال علي رضي الله عنه: فما شككت بعد في قضاء بين اثنين، شبابٌ أرسلهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن، ليعلموا ويحكموا ويقضوا، وهكذا شباب الإسلام: عليٌ ومعاذ وأبو موسى الأشعري وغيرهم من كبار الصحابة أرسلهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن معلِمين؛ ووائل بن حجر الحضرمي يرسله عليه الصلاة والسلام ليُعلم قومه، وأنتم ـ يا شباب ـ أين أنتم من هؤلاء؟ أين أنتم من هذا الخير؟ زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نصر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان أول من أسلم من الموالي، خرج معه إلى الطائف، وحمى رسولنا عليه الصلاة والسلام من الحجارة، حتى أُوذي فداءً لرسول الأمة عليه الصلاة والسلام، وسعى في الدعوة إلى الله، وقاد الجيش؛ لنصر دين الله على حدود الروم، دخل عليه الصلاة والسلام الجنة، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنتِ؟ قالت: أنا لزيد ابن حارثة) فالله الله ـ أيها الشاب ـ الله الله، اشغل وقتك واملأ فراغك واحمل هم هذا الدين، متعلماً ومعلماً للقرآن، هم هذا الدين؛ معلماً للسنة ومتعلماً لها، هم هذا الدين، داعية في الناس؛ مفتياً وقاضياً، احمل هم هذا الدين؛ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجاهد في سبيل الله، ولا تخاف لومة لائم. 
الوقفة الرابعة: الشباب والقوة والفتوة:
 لا شك أن فترة الشباب هي فترة القوة، فترة النشاط، فترة الفتوة، لكن في أي شيءٍ نستثمر هذا؟ في أي شيء ـ أيها الشباب ـ؟ كم من شابٍ غره شبابه، وسرته عضلاته، فسار يظلم الناس، ويعتدي على الناس، لماذا؟ أتذكر يوم كنت صغيراً، كيف كان أمرك؟ فلماذا تفعل هذا الآن؟ يوم أن تعاظمت في نفسك، إن الظلم ظلمات، لا تغرك قوتك في أن تعتدي على أحد، فإن من فوقك الرب الواحد الأحد {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}البلد5، لا يغرك مالك، فتظلم أحداً، فإن من فوقك الرب الواحد الأحد {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ }البلد7، اتق الله، اتق الله خالقك، فإن كنت قوياً، ففوقك من هو أقوى، وإن كنت عظيماً ففوقك من هو أعظم، وإن كنت غنياً ففوقك من هو أغنى، إياك أن يغرك عزك وقوتك وجاهك ومالك، فتنسى لقاء ربك يوم القيامة. 
 أخي الشاب، هذه القوة اجعلها في طاعة الله، هذه الحيوية والنشاط اجعلها في الدعوة لله، أما سمعت عن ذاك الشيخ الكبير؛ ورقة بن نوفل وهو يقول لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بداية هذا الدين، يقول: " يا ليتني كنت فيها جذعاً ـ أي شاباً فتياً قوياً ـ يا ليتني كنت حياً حين يخرجك قومك، لئن أدركني هذا اليوم لأنصرنك نصراً مؤزراً"، فأين قوتكم؟ إن لم تستثمروها في طاعة الله، وأين فتوتكم؟ إن لم تجعلوها فيما يرضي الله. 
 فتية صبروا لما آذاهم قومهم، ولما لم يستطيعوا أن يتحملوا فروا إلى الله، فجعلهم الله لمن بعدهم آية، وقال الله عنهم: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى }الكهف13، وفتى كان أقوى منهم، صدع بالحق ولم يفر، بل وقف على التوحيد وحده، وما كان على التوحيد في زمانه إلا هو، وقام وكسّر أصنامهم، وناظرهم في باطلهم، وقال الله على لسان قومه: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ }الأنبياء60، وصفه الله بأنه فتى، فيه فتوة الشباب، وقوة الشباب، ففي أي شيء تستثمرون قوتكم؟ وفي أي شيء تنفقون طاقتكم؟ أنسيتم شباب أحد؟ يا ألله! ما أجمل قصص شباب أحد! أصروا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا يخرج بهم إلى الموت، إلا يخرج بهم إلى القتال، جاء منهم شاب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: يا رسول الله، تجلس بنا في المدينة، والله لتخرجن بنا إلى الجنة، والله لتخرجن بنا إلى الجنة، فخرج بهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما طارت الرؤوس، وتكسرت الجماجم، وتناثرت الأشـلاء، وتبعثرت الدمـاء، أحاط عشرة من شباب الإسلام بمحمد عليه الصلاة والسلام، أحاطوا برسول الأمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحولهم سيوف المشركين، فقال عليه الصلاة والسلام وهو يرجع بهم شيئاً فشيئاً يصعد إلى الجبل، حتى يكون له قوة في أن ينتصر على القوم الكفار، قال عليه الصلاة والسلام: (من يتقدم فيردهم عنّا، وهو رفيقي في الجنة) فقال شاب من الأنصار، منكم ـ يا أهل اليمن ـ قال شاب من الأنصار: أنا يا رسول الله، طار لها، يبحث عنها، رفيق من؟ وأين؟ أنا مع محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة، أنا يا رسول الله، أنا يا رسول الله، فطار إليهم فما يزال يقاتلهم، ضربوه بسيوفهم، ورموه برماحهم، وهو يرد عن رسول الله ومن معه، حتى يصعدوا إلى الجبل، حتى سقط شهيداً، مضرّجاً بدماء شهادته، كاتباً قصة بطولته، لتشهد عند الله أنه رفيق محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (من يتقدم، فيردهم عنا، وهو رفيقي في الجنة) فقال شاب آخر: أنا أنا يا رسول الله، فتقدم، حتى دافع وردهم ما استطاع، فقتلوه، ثم تقدم الثالث، والرابع، والخامس، والسادس، حتى قُتلوا الثمانية من شباب الأنصار، فوصل صلى الله عليه وعلى آله وسلم للجبل، هؤلاء هم شباب الأنصار، أنسيتم حنظلة بن أبي عامر يوم أحد؟ أين حنظلة؟ رفعته الملائكة في السماء، أين حنظلة؟ رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تغسله الملائكة بماء المزن في صحائف الفضة، قال: (إن صاحبكم تغسله الملائكة؛ فاسألوا صاحبته؟) فقالت امرأته: خرج جنباً يا رسول الله، أول ما سمع الهيـعة، قام من فراشه، ترك لذته، نسي زوجته، وحمل نفسه إلى الجنة، وغسلته الملائكة في السماء قبل أن تصعد روحه إلى الجنة، هؤلاء هم الشباب، حدّثتنا أحدٌ عن مصعب بن عمير؛ ذاك الشاب الذي كان في دعة ورفاهية، وكثرة مال وجمال، ثم أسلم، فشويّ ظهره بحصير، حتى دخّن جسمه، وهاجر الهجرتين، وجاء بالأنصار إلى رسول الله، وحمل لواء أحد، حتى قُتل، فما وُجدت البردة التي تغطي رأسه ورجله، هؤلاء هم الشباب، وأي شباب قال الله عنهم: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169، تريدون حياة كهذه الحياة ـ يا شباب ـ فأين نحن من هؤلاء؟
شـبابٌ ذللوا سبـل المعـالي = وما عرفوا سوى الإسلام دينا
تعهـدهم فأنبـتـهم نبـاتاً = كريماً طاب في الدنيا غصونا
إذا شهدوا الوغى كانوا كماةً = يدكون المـعاقل والحصـونا
وإن جن المسـاء فلا تراهم = من الإشـفاق إلا سـاجدينا
كذلك أخرج الإسـلام قومي = شباباً مخـلصاً حـراً أمـينا
وما عـرفوا الأغـاني مائعات = ولـكن العلا صيغت لحونا
فالله الله ـ يا شباب الإسلام ـ الله الله ـ يا شباب الإسلام ـ خالد رضي الله عنه يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (خـالد سيفٌ من سيوف الله، ونعم فتى العشـيرة) وأنت ماذا؟ عمـر فاروق الأمة رضي الله تعالى عنه، يقول عليه الصلاة والسلام: (دخلت الجنة، فإذا أنا بقصرٍ من ذهب، فقلت لمن هذا القصر؟ فقالوا: لشاب من قريش، فظننت أني أنا هو، فقلت: ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب) أولئك رجالٌ وشباب، سارعوا للجنة، بُشروا بالجنة وهم يسيرون في الأرض (إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان) وأنت ـ يا عبد الله ـ أين أنت؟ أين شبابك؟ في أي شيء قضيته؟ 
آهٍ على زمان الشـباب خسرته = ما زلت أذكره ولسـت بناسي
آهٍ على زمان الشباب أضعـته = في منتدى الأصحاب والجلّاسي
لم أبنِ فيه سوى الندامة والشقا = وسبحت في بحر من الوسواسي
لم أبنِ فيه سوى التهور والأذى = وكأن شيـطاناً يجول برأسـي
ربـاه إني في الحـقوق مقـصر = والقلب من عظم الذنوب لقاسي
في حديث واثلة بن الأسقع قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يُجنّد الناس أجناداً، جند باليمن، وجند بالشام، وجند بالمشرق، وجند بالمغرب) يصبح الحال في آخر الزمان أن المسلمين جنود؛ جند باليمن، وجند بالشام، وجند بالمشرق، وجند بالمغرب، فقال رجل: يا رسول الله، خرّ لي إني فتى شاب؛ فلعلي أدرك ذلك فماذا تأمرني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (عليك بالشام) رواه الطبراني.
 أخي الشاب، أعرف ـ وإن قصرت في طاعة الله ـ لكني أعرف قوتك، واعرف فتوتك، وأعرف أبداً أنك لا ترضى أن يُهان الإسلام، ولا أن يُسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يُداس المصحف، ولا أن تًنتهك أعراض المسلمات؛ لأنك مهما عصيت الله وبعدت عنه، فإن دماء الإسلام تغلي في قلبك، فأقبل، أقبل، واستقبل بطـولة هذا الزمان، فقد أُهين المصحف، وسُب رسول الله، واغتصبت المسلمات، فأين إيمانك؟ ومتى عـودتك؟ والسـبب أنت وخطيئتك، هزمتنا بمعاصيك، هزمتنا يوم نمت عن صلاة الفجر، هزمتنا يوم قلت: لا أستطيع أن أترك الحـرام، لا أستـطيع أن أدع الحرام، كلما حدّثناك بالتوبة، كلما ذكّرناك بالأوبة، أخزاك الشيطان، وانهزمت معه، فاتق اللهِ، والله إننا لنعرف أن فيك قوة، ومهما كان فيك من تقصير أو ضعف، فلابد، لابد ـ إن شاء الله ـ من أوبة صادقة، ورجعة أكيدة، تنصر بها دين الله سبحانه وتعالى.
 هذا شابٌ في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، روى قصته ابن خزيمة والبيهقي بسند صححه الشيخ الألباني، كان معاذ رضي الله تعالى عنه يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العشاء، ثم يرجع بعد ذلك ويؤم قومه، فصلى ذات مرة، فأطال عليهم، وكان رجل من قومه من بني أسلم؛ يُقال له: سليم، فلما أطال، انصرف من الصف وأكمل صلاته، وأخذ راحلته وانطلق، فلما سلم معاذ أُخبر به، فقال: إن به نفاقاً، وهل هذا نفاق؟ اسمع القصة إلى آخرها، قال معاذ: إن به لنفاقاً؛ لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال الشاب: وأنا لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذكر له معاذ ذلك، فقال له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما لك؟) قال: يا رسول الله، يطيل الجلوس عندك، ثم يأتينا ويطيل بنا الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: (أفتّان أنت يا معاذ؟) وقال للفتى: (كيف تصنع أنت يا ابن أخي إذا صليت؟) فقال: يا رسول الله، اقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار، وإني لا أعرف دندنتك ودندنة معاذ، انظر للعمل، لكن انتظر النهاية، فقال عليه الصلاة والسلام: (إني ومعاذ حول هاتين ندندن) فقال هذا الشاب: لكن سيعلم معاذ إذا قدم القوم، وكانوا أُخبروا بأن العدو قد قُرب، فجاء القوم، واستشهد في سبيل الله، نعم، هذا الذي كان يصلي بفاتحة الكتاب، جاء القوم وصدق اللهَ، وقدم نفسه نصرةً لدينه.
أخيراً: الشباب واستغلال الطاقات: 
 أنتم طاقة، وأنتم عزيمة، وأنتم همة، فاستغلوا عمركم وشبابكم، ابنوا مستقبلكم، شقوا طريقكم، ليس العمل بالعيب، العيب أن تجلس بطالاً، وتسرق مال أهلك، العيب أن تجلس وتطلب الناس، العيب أن تنام النهار والناس يعملون، وتسهر الليل في التوافه، هذا هو العيب، العيب أنك شاب بلا مستقبل، أنك شاب بلا زوج، بلا بيت، بلا عمل، هذا ـ وربي ـ هو العيب، يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ طلع شابٌ من الثنية، فلما رأيناه رميناه بأبصارنا ـ يعني: نظرنا إليه وأحدقنا النظر إليه ـ فقلنا: لو أن هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله-كان يعمل ببعض العمل- قلنا: لو كان هذا الشباب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: (وما سبيل الله إلا من قتل؟! من سعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، ومن سعى على صبية صغار فهو في سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله، ومن سعى مكاثراً فهو في سبيل الشيطان) فإذا سعيت لا تسعى فقط كما يسعى بعضهم؛ بعض الشباب ـ هداهم الله ـ يسعى يجمع مالاً ليشتري جوالاً، يسعى يجمع مالاً ليلبس لباساً حسناً، يسعى يجمع مالاً ليتفاخر بالأمور التافهة، إذا رأيته قد سرّح شعره وعطّف ثوبه واختال في مشيته وتردد في كلمته عبت عليه شبابه، وعبت عليه أن أنفق ماله في هذه التفاهات.
 كن شاباً وكن رجلاً، اصنع لك مستقبلاً، وابنِ مجد أمتك، نريد العالم المسلم، نريد الداعية المحنك، ونريد الطبيب، ونريد المهندس، ونريد العامل، ونريد الساعي في الخير، نريدكم رجالاً تصنعون لنا مجد هذه الأمة، نريدكم قواداً تحققون نصرها بأيديكم وسواعدكم، يا شباب، ليس العمل بالعيب، لا ـ والله ـ ليس بالعيب، اسع في عمل طيب، وكوّن لك مستقبلاً، كوّن نفسك، وابنِ مجتمعك، وافتح بيتاً، وزد هذه الأمة أطفالاً، وسدّ جوعتهم، واكس عورتهم، حتى يستقيموا ويقوموا على طاعة الله عز وجل، نعم، اعمل وتصدق (لأن يأخذ أحدكم أحبله؛ فيأتي الجبل، فيجئ بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها؛ فيستغني بثمنها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) حتى لو تفعل هذا تحتطب وتبيع، فتنفع نفسك وتتصدق، كن إنساناً نافعاً، لا تكن إنساناً منتفعاً، انفع نفسك وتصدق في أبواب الخير. 
 أعرف شاباً قوياً فتياً، ويعمل حمالاً، لكني ما رأيت شاباً مثله، أجرته كل يوم، كل يوم ـ يا شباب ـ عشرة في المائة في باب من أبواب الخير، كل يوم يقول: آتي بها إلى الصندوق، وأخرج عشرة في المائة في باب الصدقة، وأضع الباقي في صندوقي، قال: أنفقت كذا وكذا من المال، وكل ما يزداد الربح ـ سبحان الله! ـ تزداد الصدقة، حمّال، يا إخوان لكنه رجل ـ وربي ـ رجل، نفع نفسه وقام بنفسه، ونفع الناس، قال: ولما زاد الله مالي، نعم سيزيد الله ماله، و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ قال: صرت أتصدق الآن بخمسة عشر بالمائة كل يوم، ما أضعها في الصندوق حتى أخرجها في الصدقة لوجه الله عز وجل، وأنت كن كذلك، كن عاملاً نافعاً، انفع الإسلام ولو بشيء يسير، ولو بعمل بسيط، والله لن ينساه الله لك، والله إننا نحتاج ولو أن تقوم في المسجد؛ فتكنس فتقدم لنفسك عملاً طيباً، إن امرأة كانت تقُـم المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي رواية: أنه شاب، فماتت أو مات، فسال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنها أو عنه، فقالوا: مات، فقال عليه الصلاة والسلام: (أفلا آذنتموني؟) أفلا أخبرتموني؟ فكأنهم حقّروا وصغّروا أمره، شابٌ كان يقُم المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم: (دلوني على قبره) فذهب، وصلى على قبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
 مهما كان عملك، فقدّم شيئاً للإسلام ولو يسيراً، قدّم شيئاً للدين ولو قليلاً، ولا تحتقرن من المعروف شيئاً ولو أن تبتسم في وجه أخيك، ولا تحتقرن من المعروف شيئاً ولو فرسن شاه، واتق النار ولو بشق تمرة.
 هذه كانت من وصايا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكم ـ يا شباب ـ أوصاكم بأعماركم؛ فاغتنموا شبابكم فإنكم مسئولون، ووجّهكم صلى الله عليه وسلم إلى طريق العفة، واتقاء الشهوات، ووعدكم الجنة، فابشروا وأملوا، استعدوا لذلك بالزواج، وأكثروا من الصيام، وغضوا أبصاركم عن الحرام، أمركم عليه الصلاة والسلام أن تجعلوا عواطفكم لله؛ فتكثروا من عبادته وطاعته والاجتماع عليه؛ فلا تغركم قوتكم ولا طاقتكم، ودكوا بها الباطل، واحملوا أمر هذا الدين بقوة { خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} الأعراف171، كونوا من أهلها وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، أيها الشاب، اسعَ على نفسك وعلى أهلك، وابنِ لك مستقبلاً، ولا تنسَ فعل الخير، فإنك مجزيٌ عنه.
 أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياك لطاعته، وأن يجنبنا وإياك معاصيه، وأن يهدينا وإياك سبل السلام، اللهم يا ربنا يا مولانا يا رحيم، يا ربنا يا مولانا يا كريم، قرعنا ببابك مذنبين، ولُذنا بجنابك عائدين، نرجو مثوبتك، ونطلب مغفرتك، اللهم فلا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا شاباً إلا أصلحته، ولا أعزباً إلا زوجته، ولا تائباً إلا قبلته، يا ربنا يا مولانا يا رب العالمين، اللهم لا تعذّب قلوباً تشتاق للقائك، ولا ألسناً تحدّث عنك، ولا أعيناً تشتاق للنظر إلى وجهك الكريم، لا إله إلا أنت سبحانك إن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لا إله إلا أنت سبحانك أنت مولانا؛ فانصرنا على القوم الكافرين. 



الفهرس


السبت، 28 مارس 2020

تفسير والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون





قبل الحديث عن الإعجاز العلمي في والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون، لا بدَّ من المرور على بعض التفاسير لهذه الآية الكريمة والتي وردت في سورة الذاريات، قال سبحانه وتعالى: {والسماءَ بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والأرض فرشناها فنعم الماهدون} [الذاريات الآية 47 ،48]
، وقد ذكر العديد من المفسرين تفسير: والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون قبل قرون من الزمن وقبل ظهور الكشوفات العلمية الحديثة، فيروى في تفسير الطبري عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنَّه قال: في والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون أي بنيناها بقوةٍ، وكذلك قال مجاهد وقتادة وابن زيد -رحمهم الله تعالى-، أمَّا قوله: {وإنا لموسعون} فقد وردَ في تفسير الطبري: أي ذو سعةٍ بخلقها وخلق ما شئنا أن خلقه ونقدر عليه، ومنه قوله: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة الآية 236 ]، وعن ابن زيد أيضًا في هذه الآية {وإنا لموسعون} أنه قال: أوسعها الله جلا جلاله، والله تعالى أعلم. [تفسير القرطبي ]
الإعجاز العلمي في والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون أنزل الله تعالى كتابه الكريم معجزةً وجعله آيةً للعالمين إلى قيام الساعة، وفي كثيرٍ من الآيات الكريمة مثل والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون وردت الإشارة إلى عظمة وقدرة الله في هذا الكون، وأشارت كثير من الآيات إلى أن هذا الكون في توسّع مستمرٍّ، وإذا عاد الزمن إلى الوراء فإنّ الكون سيتضاءل ثمّ يتجمّع على شكل جرم واحد أو رتق كما كان أول مرة، قال تعالى: {والسماءَ بنيناها بأيد وإنا لموسعون} [الذاريات 47 ]، ففي هذه الآية أشار الله تعالى إلى أنَّ السماء بنيت بقوة وإحكام وتماسك عجيب في قوله والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون وأن هذا السماء التي تشير إلى الكون في توسع دائمٍ ومستمر بقدرة الله تعالى، وهذا التصوير لمرحلة التوسع ثم الانطواء يعطي صورة مجملةً عن مراحل خلق الكون، ولم يستطع الإنسان إدراك هذه الحقيقة العملية عن توسع الكون إلا في نهاية القرن العشرين في العصر الحديث، وقد بدأ إدراك الإنسان لهذه الحقيقة العلمية التي تقول والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون من خلال التجارب التي بدأ العلماء بالقيام بها في القرن العشرين، حيثُ ظلَّ الفكر السائد عن ثبات الكون منتشرًا إلى هذه الفترة من الزمن في محاولة فاشلة لإبطال الخلق والتنكر لله تعالى.
ولكن بعد أن جاء العالم النمساوي دوبلر وقام بمراقبة حركة المجرات خارج مجرتنا تغيرت الأمور، حيثُ لاحظَ في أول نصف من القرن التاسع عشر بأن مرور قطار سريع يطلق صفارته يسمع الراصد له صوتًا متصلًا ثابت الطبقة، وكلما اقترب القطار من الراصد ارتفعت الطبقة الصوتية، وفسر ذلك بأن الصفارة تطلق عددًا من الموجات المتلاحِقة الصوتية في الهواء، وهذه الموجات الصوتية تنضغطُ بشدة كلما اقترب مصدر الصوت، فترتفع طبقة الصوت والعكس صحيح، ولاحظَ أن هذه الظاهرة تنطبق على الموجات الضوئية، فعندما يصل الضوء إلى عين الراصد من منبع متحرّك بسرعة كافية يحدث تغير في تردد الموجات الضوئية، فإذا كان المصدر يقترب من الراصد تتضاغط الموجات وينزاح الضوء باتجاه التردد العالي وتسمى هذه الظاهرة بالزحزحة الزرقاء، وإذا كان المصدر يبتعد عن الراصد تتمدّد الموجات الضوئية وينزاح الضوء نحو التردد المنخفض وتسمى هذه الظاهرة بالزحزحة الحمراء. واستخدم الفلكيون هذه الظاهرة وأسلوب التحليل الطيفي للضوء القادم من النجوم، وفي عام 1914م أثبت الفلكي الأمريكي سلايفر بتطبيق ظاهرة دوبلر على الضوء القادم من النجوم في العديد من المجرات حولنا أثبتَ أنَّ المجرات التي راقبها تبتعد عنا وتباعد عن بعضها، بسرعة كبيرة جدًّا، ومنذ ذلك الوقت بدأ الفلكيون بالنظر في هذه الظاهرة العجيبة.
وفي عام 1925م تمكَّن سلايفر نفسه من إثبات أن أربعين مجرة رصدها تتحرك في سرعة فائقة متباعدة عن مجرتنا وعن بعضها، وفي عام 1929م استطاع الفلكي الأمريكي إدوين هابل من الوصول إلى النتيجة الفلكية الدقيقة وهي: أن سرعة تباعد المجرات عنا تتناسب طردًا مع بُعدها عنا، وعرف هذا باسم قانون هابل وبهذا القانون تمكن هابل من قياس أبعاد العديد من المجرات وسرعة تباعدها عنا.
https://www.youtube.com/watch?v=1cjQp5KQk9Q
وأشارت تلك التجارب والكشوفات إلى حقيقة توسُّع هذا الكون، وانقسم العلماء بين مؤيدٍ ومعاؤض إلى أن جاء ألبرت أينشتاين عام 1917م بظريته عن النسبية العامة والتي يشرح فيها طبيعة الجاذبية، وأشارت النظرية النسبية إلى أن الكون غير ثابت، وفي نفس العام قام العالم الهولندي وليام دي سيتر بنشر بحث مستنتجًا فيه أنّ الكون يتمدّد إنطلاقًا من النظرية النسبية نفسها، وبعد ذلك بدأت فكرة تمدد الكون تلقّى قَبولًا عامًّا بين العلماء، وهذا ما أخبر به الله تعالى على لسان النبي الأميِّ -صلى الله عليه وسلم- قبل أربعة عشر قرنًا في إعجاز والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون، قال تعالى: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} {الذاريات: الآية 47} فسبحان الله على بديع خلقه ودقَّة تصويره. ↑ كتاب الحاوي في تفسير القرآن الكريم, ، "www.al-eman.com"، اطُّلع عليه بتاريخ 10-2-2019، بتصرف


الأخلاق في الإسلام

الأخلاق في الإسلام نالت الأخلاق في الإسلام مرتبةً عالية، وأهميةً بالغة، بل عدّها أهل العلم من الأصول والمرتكزات التي يقوم عليها الإسلام، وهي...