الثلاثاء، 14 يناير 2014

أهم مشروع في حياة المؤمن




 أهم مشروع في حياة المؤمن
حفظ القرآن الكريم
  _ ليكن هدفك رضوان الله تعالى1
إن أي مشروع لابد أن يكون له هدف لينجح ويثمر، وهذا سؤال يجب أن توجهه لنفسك قبل أن تبدأ هذا المشروع: لماذا أحفظ القرآن؟ وحاول أن تكون الإجابة أنني أحفظ القرآن حبّاً في الله وابتغاء مرضاته ولأفوز بسعادة الدنيا والآخرة. فإذا كان هذا هو الهدف فتكون قد قطعت نصف الطريق في الحفظ. حاول أن تجلس وتفكر بفوائد حفظ القرآن، وكيف سيغير حياتك كما غير حياة من حفظه من قبلك. ويجب أن تعتقد أن الله سييسر لك حفظ القرآن فهو القائل:      (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) القمر: 17
سارع إلى الحفظ قبل أن يدركك الوقت _2
حاول أن تغتنم كل دقيقة من وقتك في تلاوة القرآن، تنتقي أصدقاءك وتتعرف على الأتقياء لأن حفظ القرآن يتطلب بيئة مناسبة، فاحرص على مجالسة الصالحين والعلماء وحفظة القرآن والمهتمين بتفسير القرآن، ولا تترك كلمة غامضة تمر من القرآن إلا وتسأل عن تفسيرها. حاول أن تسأل عن أحكام التجويد، واعلم أن هذه التقنية تشكل نصف الحفظ. لا تترك مقالة أو خبر أو فكرة تتعلق بالقرآن إلا وتطلع عليها. حاول أن تتجنب الانفعالات والغضب والكلام السيء والنظر إلى المحرمات، وأكثر من الدعاء بإخلاص: يا رب أعنِّي على حفظ كتابك واجعل عملي هذا خالصاً لوجهك الكريم. يقول تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران: 133
 _ احرص على الاستماع كل يوم3
إن أهم مشروع في حياة المؤمن هو حفظ القرآن الكريم، فهذا المشروع قد يغير حياتك بالكامل، ونصيحتنا الأولى لك وأنت على طريق حفظ القرآن، أن تبدأ بالاستماع إلى القرآن كل يوم لأطول مدة ممكنة. فهذا الاستماع سيحدث تغييراً في نظام عمل الدماغ لديك، فقد أثبت العلماء أن كل صوت يسمعه الإنسان ويكرره لعدة مرات يحدث تغييراً في نظام عمل الخلايا، وبالتالي فإن استماعك للقرآن يعني أنك ستعيد برمجة خلايا دماغك وفق كتاب الله تعالى وما جاء فيه من تعاليم وأحكام. ولكي تضمن التغيير الإيجابي الفعال يجب أن تستمع إلى القرآن بخشوع كامل، وهذا ما أمرنا به الله بقوله:
(وإذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأعراف: 204  
   ابدأ من السورة التي تحبها               _ 4
ابدأ من السورة التي تحبها وتظن بأنها سهلة الحفظ، وحاول أن تستمع إلى هذه السورة عشر مرات أو عشرين مرة، ثم افتح القرآن على هذه السورة وستجد أنها مألوفة بالنسبة لك وسهلة الحفظ لأنها ستنطبع في خلايا دماغك بعد الاستماع إليها أكبر عدد من المرات! ولكن أثناء الحفظ جزّئ السورة لعدد من المقاطع حسب المعنى اللغوي، وابدأ بقراءة المقطع الأول وكرره حتى تحفظه، ثم تكرر المقطع الثاني حتى تحفظه، وهكذا حتى نهاية السورة. وأخيراً تربط كل مقطعين من خلال قراءتهما معاً وكرر هذه العملية مع بقية مقاطع السورة حتى تتمكن من حفظها بإذن الله. وكلما بدأت بقراءة القرآن اقرأ قوله تعالى:
(بَلْ هُوَ  أَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) العنكبوت: 49                          
_ أكثر من قراءة القرآن قدر المستطاع                      5
إن حفظ القرآن يعني أنك تأخذ على كل حرف عشر حسنات! وإذا علمت مثلاً بأن عدد حروف سورة الفاتحة هو 139 حرفاً، فهذا يعني أنك كلما قرأتها سوف يزيد رصيدك عند الله تعالى 139 × 10 = 1390 حسنة، وكل حسنة من هذه الحسنات خير من الدنيا وما فيها!! وتأمل كم من الحسنات ستأخذ عندما تقرأ القرآن كله والمؤلف من 323671 حرف!!! قال صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفاً من القرآن فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها).
                                6_ لتكن أخلاقك القرآن
عندما تحفظ القرآن سوف تمتلك قوة في أسلوبك بسبب بلاغة آيات القرآن، سوف تصبح أكثر قدرة على التعامل مع الآخرين والتحمّل والصبر، سوف تكون في سعادة لا توصف، فحفظ القرآن ليس مجرد حفظ لقصيدة شعر أو لقصة وأغنية! بل إنك عندما تحفظ القرآن إنما تُحدث تغييراً في نظرتك لكل شيء من حولك، وسوف يكون سلوكك تابعاً لما تحفظ. فقد سئلت سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان خُلُقه القرآن)!! فإذا أردت أن تكون أخلاقك مثل أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليك بحفظ القرآن.                               
                       احرص على ترتيل القرآن وتجويده _7
من أجمل الأشياء التي تساعدك على القراءة لفترات طويلة أن تقرأ القرآن بصوت حسن وترتله ترتيلاً كما أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك فقال: (وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) المزمل: 4. فالقراءة بصوت مرتفع قليلاً وبتجويد الصوت وترتيله تجعلك تحس بلذة القراءة والحفظ. وحاول أن تقلد أحكام التجويد كما تسمعها من المقرئ من خلال المسجل أو الجوال أو الكمبيوتر أو التلفزيون أو الراديو، فكلها وسائل سخرها الله لتساعدنا على حفظ القرآن. يقول تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)القمر: 17. وحاول أن تركز انتباهك في كل كلمة تسمعها وتعيش معها وتحلق بخيالك مع معاني الآيات. وكرر ما تحفظه مراراً وتكراراً 
                              8_ كرر ما تحفظه من القرآن باستمرار
الدنيا مثل السفينة التي تجري... فطالما أنك تقرأ القرآن وتذكر الله فأنت بخير، ولا تدري متى يحين الأجل وتنقلب السفينة، ولن تجد أمامك إلا الله تعالى، ولن ينفعك إلا كتاب الله! ففي كل يوم احرص على الاستماع إلى سورة محددة (أو صفحة من سورة) وكرر الاستماع إليها، وبعد حفظها اقرأها في الصلاة ثم توضأ في الليل وقف وصلي ركعتين قيام الليل وتقرأ ما حفظته خلال النهار، وستحسّ بلذة عجيبة وتشعر بحلاوة الإيمان. ثم كرر ما حفظته أيضاً قبل النوم مباشرة، وبعد الاستيقاظ مباشرة، فهذه الطريقة ترسخ الحفظ في عقلك الباطن فلا تنسى منه شيئاً بإذن الله. وعليك بالتفكير بالآيات التي تقرأها قبل النوم، وهذه الطريقة ستفتح قلبك وعقلك وتطور مداركك، يقول تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد:24                       
 9_ اعلم أن القرآن سيكون رفيقك                          
القرآن الذي تحفظه وتحافظ عليه اليوم سيكون رفيقك لحظة الموت!! وسيكون المدافع عنك والشفيع لك يوم يتخلى عنك أقرب الناس إليك. يقول صلى الله عليه وسلم: (اقرأوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة)، وهل هنالك أجمل من لحظة تقابل فيها الله تعالى يوم القيامة وأنت حافظ لكلامه في صدرك؟! إن أول خطوة على طريق الحفظ التصميم وأن تبدأ بالاستماع إلى القرآن كل يوم وحاول أن تخشع أمام كلام الله وتتفاعل مع كل آية تسمعها. كل واحد منا سيموت  ثم يدفن وحيداً في قبره ثم يُبعث يوم القيامة ليقف أمام الله تعالى وحيداً! تصور هذه المواقف لحظة الموت ولحظة نزول القبر ولحظة الوقوف أمام الله فإما إلى الجنة وإما إلى النار، هل تعلم من سيكون رفيقك المخلص في هذه المواقف؟ إنه القرآن. يقول تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ  أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) الإسراء:9                                                 
10_ ابتعد عن المعصية                              
يجب أن تبتعد عن المعصية وتنوي التوبة إلى الله وتطلب من الله أن يعينك على حفظ القرآن والعمل به، أي يجب أن يقترن الحفظ بالتطبيق العملي. لا تترك يوماً يمر دون أن تحفظ شيئاً من القرآن ولو آية واحدة، المهم أن تنجز عملاً، وتذكر أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ. ابحث عن صديق تحفظ القرآن معه وليكن حديثك كله عن القرآن. يجب أن تبحث عن تفسير السورة التي تحفظها وتفهمها جيداً فيسهل الحفظ عليك كثيراً. اختر مصحفاً يكون معك معظم الوقت واعتمد عليه في الحفظ وسوف تنشأ علاقة خاصة بينك وبين هذا المصحف وسوف تحبه وتستمتع بحفظه وسيكون لك حافزاً على الحفظ
 11_ مرِّن ذاكرتك على الحفظ                           
هل جربت مرة أن تحب القرآن؟ هل سألت نفسك ما ترتيب القرآن بالنسبة لك؟ إن أول خطوة على طريق الحفظ هي أن تشعر بعظمة وأهمية القرآن، وأن تعطي للقرآن أفضل أوقاتك. فالحفظ يحتاج للوقت المناسب والمكان المناسب وتركيز كبير، فقد تعاني من صعوبة في البداية ولكن بمجرد الإصرار على الحفظ والاستمرار ستتلاشى هذه الصعوبات، وستبدأ تشعر بلذة الحفظ وحلاوة الإيمان بإذن الله. فقد أثبت العلماء أن الذاكرة تحتاج إلى تمرين وبعد شهر واحد من الحفظ ستكون لديك ذاكرة أفضل بعشر مرات من قبل                                           
12_ أكثر من النظر إلى القرآن                            
هنالك شيء مهم يعين الإنسان على حفظ القرآن وقد يغفل عنه معظم الناس ألا وهو أن تنظر إلى القرآن على أنه أهم شيء في الوجود. ويمكنك أن تختبر نفسك حول ذلك بطريقة بسيطة: هل أنت مستعد أن تترك عملاً يدر عليك أرباحاً طائلة من أجل أن تحفظ القرآن؟ هل أنت مستعد أن تترك أصدقاءك ومن تحبهم من أجل أن تحفظ القرآن، وهل أنت مستعد أن تفرغ أحسن وقت عندك لحفظ القرآن؟ يقول تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد: 24

13_ حاول أن تستخرج العبر والمواعظ                     
إذا أردت أن تحفظ أي سورة من سور القرآن فلابد أن تفهمها وتستخرج منها العبر والمواعظ وتطرح الأسئلة، وتتأملها جيداً وتعيش معها، ثم تبدأ بالحفظ لتجد نفسك تحفظ هذه السورة بسهولة. يقول سبحانه وتعالى في محكم الذكر: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ  يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يوسف: الآية111                        

السبت، 11 يناير 2014

(أرجى آية في كتاب الله (عز وجل




(أرجى آية في كتاب الله (عز وجل


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:

فمن فضل الله -تعالى- ونعمته علينا أن جعل رحمتَه سبقتْ غضبَه، بل وسعت رحمتُه كلَّ شيء، وعمَّ بها كلَّ حيٍّ؛ قال -تعالى-: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، وجعل فيما جعل لعباده المذنبين بابًا عظيمًا من أبواب رحمته، بل فتح لهم بابَ الرجاء فيما عنده؛ ولذا كان حريًّا بنا أن نجولَ حول أرجى آية في كتاب الله - تبارك وتعالى - عسى أن تصيبَنا نفحةٌ من نفحات رحمته، لا نشقى بعدها أبدًا، حتى يدخلنا - بفضله ورحمته - دارَ كرامته، ومَنزِلَ رحمته؛ إنه خير مسؤول.

قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أرجى آيةٍ في كتاب الله -تعالى-: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾ [الرعد: 6][1].

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله -تعالى-: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ [طه: 48]: هذه أَرْجى آية للموحِّدين؛ لأنهم لم يكذِّبوا ولم يتولَّوا[2].

قال عبدالله بنُ المبارك في قوله -تعالى-: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾ إلى قوله: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [النور: 22]، قال: "هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى"[3].

وفي قوله -تعالى-: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ﴾ [الأحزاب: 47]:
قال ابن عطية: قال لنا أَبي - رضي الله عنه -: هذه من أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى؛ لأن الله - عز وجل - قد أمر نبيَّه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلاً كبيرًا، وقد بيَّن -تعالى- الفضلَ الكبير في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ [الشورى: 22][4].

وقال عليُّ بن أبي طالب: ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 53].

قال عبدالله بن عمر: وهذه أرجى آية في القرآن؛ فردَّ عليهم ابن عباس وقال: أرجى آية في القرآن قولُ تعالى: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾ [الرعد: 6][5].

قال الشوكاني - رحمه الله - في قوله -تعالى-: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 53]، قال: "هذه الآيةُ أرجى آية في كتاب الله سبحانه؛ لاشتمالها على أعظمِ بشارة؛ فإنه أولاً أضاف العبادَ إلى نفسه؛ لقصد تشريفِهم، ومزيدِ تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقَّب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب؛ فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى، وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقى بعده شك، ولا يتخالج القلبَ عند سماعه ظنٌّ، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾ [الزمر: 53]، فالألف واللام قد صَيَّرت الجمعَ الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده؛ فهو في قوة: إن الله يغفر كلَّ ذنب كائنًا ما كان، إلا ما أخرجه النصُّ القرآني، وهو: الشِّرك؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48، 116]، ثم لم يكتفِ بما أخبر عبادَه به من مغفرة كلِّ ذنب، بل أكَّد ذلك بقوله: ﴿ جَمِيعًا ﴾"[6].

قال ابن القيم في الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء (ص: 23):
ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة، فاتكلوا عليه كاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [سورة الضحى: 55].

قال: وهو لا يرضى أن يكون في النار أحد من أمته. وهذا من أقبح الجهل، وأبين الكذب عليه، فإنه يرضى بما يرضى به ربه عز وجل، والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرِّين على الكبائر، فحاشا رسوله أن يرضى بما لا يرضى به ربه تبارك وتعالى!

وفي الحديث عن عبدالله بن عمرو بن العاصِ أن النبِي -صلى الله عليه وسلم- تلا قول اللهِ - عز وجل - في إبراهيم: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ الآية [إبراهيم: 36]، وقول عيسى - عليه السلام -: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118]؛ فرفع يديه وقال: ((اللهم أمتي أمتي)) وبكى؛ فقال الله - عز وجل -: يا جبريل، اذهب إلى محمدٍ - وربُّك أعلمُ - فسَلْه: ما يُبكِيك؟ فأتاهُ جبريلُ - عليه الصلاةُ والسلامُ - فسأله، فأخبره رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريلُ، اذهبْ إلى محمدٍ، فقل: إنا سنُرضِيكَ في أمتِك ولا نسُوءُك[7].

قال بعضُ أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله - عز وجل - آيةُ الدَّين، وهي أطولُ آية في القرآن العظيم، وقد أوضح اللهُ - تبارك وتعالى - فيها الطرقَ الكفيلة بصيانة الدَّينِ من الضياع ولو كان الدَّينُ حقيرًا؛ كما يدل عليه قوله -تعالى- فيها: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ﴾ [البقرة: 282]، قالوا: هذا من المحافظة في آية الدَّين على صيانة مال المسلم، وعدم ضياعه ولو قليلاً يدل على العناية التامة بمصالح المسلم؛ وذلك يدلُّ على أن اللطيف الخبير لا يضيعه يوم القيامة عند اشتداد الهول، وشدة حاجته إلى ربه"[8].

قال الشيخ الشنقيطي - رحمه الله -: "من أرجى آيات القرآن العظيم قولُه -تعالى-: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [فاطر: 32 - 35][9].

عن الحسن قال: ليس الإيمان بالتحلِّي ولا بالتمني؛ ولكن ما وقر في القلب، وصدَّقتْه الأعمال، من قال حسنًا وعمل غيرَ صالح، ردَّ اللهُ عليه قولَه، ومن قال حسَنًا وعمل صالحًا، رفعه العملُ؛ ذلك بأن الله يقول: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10][10].

والحمد لله أولاً وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.


[1] الجامع لأحكام القرآن؛ لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (9 - 285)، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
[2] المصدر السابق (11 - 204).
[3] قال القرطبي - رحمه الله -: "المشهورُ من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة - رضي الله عنه - ومِسطح بن أثاثة؛ وذلك أنه كان ابن بنت خالته، وكان من المهاجرين البدرِيِّين المساكين، وهو مسطح بن أثاثة بن عبَّاد بن المطلب بن عبدمناف، وقيل: اسمه عوف، ومِسطح لقبٌ، وكان أبو بكرٍ - رضي الله عنه - يُنفق عليه لمسكنتِه وقرابته، فلما وقع أمرُ الإفك، وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفقَ عليه، ولا ينفعَه بنافعة أبدًا، فجاء مسطحٌ فاعتذر، وقال: إنما كنت أغشى مجالسَ حسان فأسمع ولا أقول، فقال له أبو بكر: لقد ضحِكتَ وشاركت فيما قيل، ومرَّ على يمينه؛ فنزلت الآية، قال: فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: والله إني لأحبُّ أن يغفرَ الله لي، فرَجَعَ إلى مسطح النفقةَ التي كان ينفقُ عليه وقال: لا أنزعها منه أبدًا"؛ تفسير القرطبي (12 - 207).
[4] الجامع لأحكام القرآن (14- 202).
[5] الجامع لأحكام القرآن (15 - 269).
[6] فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية - (1287)، طبعة دار المعرفة.
[7] رواه مسلم في (الإيمان) (202) من حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما.
[8] أضواء البيان (5 - 489)، طبعة دار الفكر.
[9] قال الشيخ الشنقيطي - رحمه الله -: "قد بيَّن -تعالى- في هذه الآيةِ الكريمة أنَّ إيراثَ هذه الأمةِ لهذا الكتاب دليلٌ على أن الله اصطفاها في قوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [فاطر: 32]، وبيَّن أنهم ثلاثة أقسام:
الأول: الظالم لنفسه، وهو الذي يُطيع الله، ولكنه يعصيه أيضًا؛ فهو الذي قال الله في: ﴿ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 102].
والثاني: المُقتصدُ، وهو الذي يطيع اللهَ، ولا يَعصيه، ولكنه لا يتقرَّب بالنوافل من الطاعات.
والثالث: السابق بالخيرات، وهو الذي يأتي بالواجباتِ، ويجتنب المحرَّمات، ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة، وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه والمقتصد والسابق، ثم إنه -تعالى- بيَّن أن إيراثَهم الكتابَ هو الفضلُ الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميعَ بجنَّاتِ عدن، وهو لا يخلف الميعاد في قوله: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ [فاطر: 33]، إلى قوله: ﴿ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [فاطر: 35]، والواو في يدخلونها شاملةٌ للظالم والمقتصد والسابق على التحقيق؛ ولذا قال بعض أهل العلم: حُقَّ لهذه الواو أن تُكتبَ بماء العينين، فوعدُه الصادق بجنات عدن لجميع أقسامِ هذه الأمة، وأولهم الظالمُ لنفسه - يدلُّ على أن هذه الآيةَ من أرجى آيات القرآن، ولم يبقَ من المسلمين أحدٌ خارج عن الأقسام الثلاثة؛ فالوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين؛ ولذا قال بعدها متصلاً بها: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ [فاطر: 36]، إلى قوله: ﴿ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾ [فاطر: 37].
واختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد بالجنة على المقتصد والسابق، فقال بعضهم: قدم الظالم؛ لئلا يَقنَطَ، وأخر السابق بالخيرات؛ لئلا يُعجَبَ بعمله فيَحبَط، وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه؛ لأن أكثرَ أهل الجنة الظالمون لأنفسهم؛ لأن الذين لم تقعْ منهم معصية أقلُّ من غيرهم؛ كما قال -تعالى-: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾ [ص: 24]"؛ أضواء البيان، (5 - 490)، طبعة دار الفكر.

الأحد، 5 يناير 2014

حكم في كلمات43



 
 

حكم في كلمات43 


 
 
 
الحديث في الهاتف  
عندما يرن الهاتف ابتسم وأنت تتلقى السماعة ، فإن محدثك على الطرف الآخر سيرى ابتسامتك من خلال نبرات صوتك 
الزواج  
تزوج من تجيد المحادثة ، فعندما يتقدم بك العمر ستعرف أهمية ذلك ، عندما يصبح الحديث مع من تحب قمة أولوياتك واهتماماتك. 
الحب  
إذا أحببت شخصا فاذهب إليه وقل إنك تحبه ، إلا إذا كنت لا تعني ما تقول فعلا ! لأنه سيعرف الحقيقة بمجرد النظر في عينيك 
الصداقة  
  
لا تدع الأشياء الصغيرة تدمر صداقتك الغالية مع الآخرين ، فالصداقة الحقيقة تاج على رؤوس البشر ، لا يدركه إلا سكان الجدران الخالية والقلوب الخاوية 
الحياة  
لا تسخر من الآخرين وأحلامهم الوردية الجميلة ، خاصة من تعتقد أنهم أقل منك من البسطاء الطيبين ، فلربما تكون منزلة خادمك عند الله أسمى وأرفع منك ومن كثير من علياء القوم ، وقد تحظى بشفاعتهم يوم القيامة ، ولا تقلل من شأن الأحلام ، فالدنيا بدونها رحلة جافة ومملة مهما يكن الواقع جميلا 
الحوار  
فكر كثيراً ، واستنتج طويلا ، وتحدث قليلا ، ولا تهمل كل ما تسمعه ! فمن المؤكد أنك ستحتاجه في المستقبل 
الاعتذار  
لا تتردد في أن تتأسف لمن أخطأت في حقه ، وانظر لعينيه وأنت تنطق بكلمات الاعتذار ، ليقرأها في عينيك وهو يسمعها بأذنيه 
المعاملة  
لا تحكم على شخص من أقربائه فقط ، فالإنسان لم يختر والديه ، فما بالك بأقربائه ؟! 
الحديث  
عندما لا تريد الإجابة على سؤال ، فابتسم للسائل قائلا : هل تعتقد أنه فعلا من المهم 
  
 
 

الأخلاق في الإسلام

الأخلاق في الإسلام نالت الأخلاق في الإسلام مرتبةً عالية، وأهميةً بالغة، بل عدّها أهل العلم من الأصول والمرتكزات التي يقوم عليها الإسلام، وهي...