(أرجى آية في كتاب الله (عز وجل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:
فمن فضل الله -تعالى- ونعمته علينا أن جعل رحمتَه سبقتْ غضبَه، بل وسعت رحمتُه كلَّ شيء، وعمَّ بها كلَّ حيٍّ؛ قال -تعالى-: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، وجعل فيما جعل لعباده المذنبين بابًا عظيمًا من أبواب رحمته، بل فتح لهم بابَ الرجاء فيما عنده؛ ولذا كان حريًّا بنا أن نجولَ حول أرجى آية في كتاب الله - تبارك وتعالى - عسى أن تصيبَنا نفحةٌ من نفحات رحمته، لا نشقى بعدها أبدًا، حتى يدخلنا - بفضله ورحمته - دارَ كرامته، ومَنزِلَ رحمته؛ إنه خير مسؤول.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أرجى آيةٍ في كتاب الله -تعالى-: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾ [الرعد: 6][1].
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله -تعالى-: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ [طه: 48]: هذه أَرْجى آية للموحِّدين؛ لأنهم لم يكذِّبوا ولم يتولَّوا[2].
قال عبدالله بنُ المبارك في قوله -تعالى-: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾ إلى قوله: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [النور: 22]، قال: "هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى"[3].
وفي قوله -تعالى-: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ﴾ [الأحزاب: 47]:
قال ابن عطية: قال لنا أَبي - رضي الله عنه -: هذه من أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى؛ لأن الله - عز وجل - قد أمر نبيَّه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلاً كبيرًا، وقد بيَّن -تعالى- الفضلَ الكبير في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ [الشورى: 22][4].
وقال عليُّ بن أبي طالب: ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 53].
قال عبدالله بن عمر: وهذه أرجى آية في القرآن؛ فردَّ عليهم ابن عباس وقال: أرجى آية في القرآن قولُ تعالى: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾ [الرعد: 6][5].
قال الشوكاني - رحمه الله - في قوله -تعالى-: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 53]، قال: "هذه الآيةُ أرجى آية في كتاب الله سبحانه؛ لاشتمالها على أعظمِ بشارة؛ فإنه أولاً أضاف العبادَ إلى نفسه؛ لقصد تشريفِهم، ومزيدِ تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقَّب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب؛ فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى، وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقى بعده شك، ولا يتخالج القلبَ عند سماعه ظنٌّ، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾ [الزمر: 53]، فالألف واللام قد صَيَّرت الجمعَ الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده؛ فهو في قوة: إن الله يغفر كلَّ ذنب كائنًا ما كان، إلا ما أخرجه النصُّ القرآني، وهو: الشِّرك؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48، 116]، ثم لم يكتفِ بما أخبر عبادَه به من مغفرة كلِّ ذنب، بل أكَّد ذلك بقوله: ﴿ جَمِيعًا ﴾"[6].
قال ابن القيم في الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي = الداء والدواء (ص: 23):
ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة، فاتكلوا عليه كاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [سورة الضحى: 55].
قال: وهو لا يرضى أن يكون في النار أحد من أمته. وهذا من أقبح الجهل، وأبين الكذب عليه، فإنه يرضى بما يرضى به ربه عز وجل، والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرِّين على الكبائر، فحاشا رسوله أن يرضى بما لا يرضى به ربه تبارك وتعالى!
وفي الحديث عن عبدالله بن عمرو بن العاصِ أن النبِي -صلى الله عليه وسلم- تلا قول اللهِ - عز وجل - في إبراهيم: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ الآية [إبراهيم: 36]، وقول عيسى - عليه السلام -: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118]؛ فرفع يديه وقال: ((اللهم أمتي أمتي)) وبكى؛ فقال الله - عز وجل -: يا جبريل، اذهب إلى محمدٍ - وربُّك أعلمُ - فسَلْه: ما يُبكِيك؟ فأتاهُ جبريلُ - عليه الصلاةُ والسلامُ - فسأله، فأخبره رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريلُ، اذهبْ إلى محمدٍ، فقل: إنا سنُرضِيكَ في أمتِك ولا نسُوءُك[7].
قال بعضُ أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله - عز وجل - آيةُ الدَّين، وهي أطولُ آية في القرآن العظيم، وقد أوضح اللهُ - تبارك وتعالى - فيها الطرقَ الكفيلة بصيانة الدَّينِ من الضياع ولو كان الدَّينُ حقيرًا؛ كما يدل عليه قوله -تعالى- فيها: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ﴾ [البقرة: 282]، قالوا: هذا من المحافظة في آية الدَّين على صيانة مال المسلم، وعدم ضياعه ولو قليلاً يدل على العناية التامة بمصالح المسلم؛ وذلك يدلُّ على أن اللطيف الخبير لا يضيعه يوم القيامة عند اشتداد الهول، وشدة حاجته إلى ربه"[8].
قال الشيخ الشنقيطي - رحمه الله -: "من أرجى آيات القرآن العظيم قولُه -تعالى-: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [فاطر: 32 - 35][9].
عن الحسن قال: ليس الإيمان بالتحلِّي ولا بالتمني؛ ولكن ما وقر في القلب، وصدَّقتْه الأعمال، من قال حسنًا وعمل غيرَ صالح، ردَّ اللهُ عليه قولَه، ومن قال حسَنًا وعمل صالحًا، رفعه العملُ؛ ذلك بأن الله يقول: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10][10].
والحمد لله أولاً وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.
[1] الجامع لأحكام القرآن؛ لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (9 - 285)، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
[2] المصدر السابق (11 - 204).
[3] قال القرطبي - رحمه الله -: "المشهورُ من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة - رضي الله عنه - ومِسطح بن أثاثة؛ وذلك أنه كان ابن بنت خالته، وكان من المهاجرين البدرِيِّين المساكين، وهو مسطح بن أثاثة بن عبَّاد بن المطلب بن عبدمناف، وقيل: اسمه عوف، ومِسطح لقبٌ، وكان أبو بكرٍ - رضي الله عنه - يُنفق عليه لمسكنتِه وقرابته، فلما وقع أمرُ الإفك، وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفقَ عليه، ولا ينفعَه بنافعة أبدًا، فجاء مسطحٌ فاعتذر، وقال: إنما كنت أغشى مجالسَ حسان فأسمع ولا أقول، فقال له أبو بكر: لقد ضحِكتَ وشاركت فيما قيل، ومرَّ على يمينه؛ فنزلت الآية، قال: فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: والله إني لأحبُّ أن يغفرَ الله لي، فرَجَعَ إلى مسطح النفقةَ التي كان ينفقُ عليه وقال: لا أنزعها منه أبدًا"؛ تفسير القرطبي (12 - 207).
[4] الجامع لأحكام القرآن (14- 202).
[5] الجامع لأحكام القرآن (15 - 269).
[6] فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية - (1287)، طبعة دار المعرفة.
[7] رواه مسلم في (الإيمان) (202) من حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما.
[8] أضواء البيان (5 - 489)، طبعة دار الفكر.
[9] قال الشيخ الشنقيطي - رحمه الله -: "قد بيَّن -تعالى- في هذه الآيةِ الكريمة أنَّ إيراثَ هذه الأمةِ لهذا الكتاب دليلٌ على أن الله اصطفاها في قوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [فاطر: 32]، وبيَّن أنهم ثلاثة أقسام:
الأول: الظالم لنفسه، وهو الذي يُطيع الله، ولكنه يعصيه أيضًا؛ فهو الذي قال الله في: ﴿ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 102].
والثاني: المُقتصدُ، وهو الذي يطيع اللهَ، ولا يَعصيه، ولكنه لا يتقرَّب بالنوافل من الطاعات.
والثالث: السابق بالخيرات، وهو الذي يأتي بالواجباتِ، ويجتنب المحرَّمات، ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة، وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه والمقتصد والسابق، ثم إنه -تعالى- بيَّن أن إيراثَهم الكتابَ هو الفضلُ الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميعَ بجنَّاتِ عدن، وهو لا يخلف الميعاد في قوله: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ [فاطر: 33]، إلى قوله: ﴿ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [فاطر: 35]، والواو في يدخلونها شاملةٌ للظالم والمقتصد والسابق على التحقيق؛ ولذا قال بعض أهل العلم: حُقَّ لهذه الواو أن تُكتبَ بماء العينين، فوعدُه الصادق بجنات عدن لجميع أقسامِ هذه الأمة، وأولهم الظالمُ لنفسه - يدلُّ على أن هذه الآيةَ من أرجى آيات القرآن، ولم يبقَ من المسلمين أحدٌ خارج عن الأقسام الثلاثة؛ فالوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين؛ ولذا قال بعدها متصلاً بها: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ [فاطر: 36]، إلى قوله: ﴿ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾ [فاطر: 37].
واختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد بالجنة على المقتصد والسابق، فقال بعضهم: قدم الظالم؛ لئلا يَقنَطَ، وأخر السابق بالخيرات؛ لئلا يُعجَبَ بعمله فيَحبَط، وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه؛ لأن أكثرَ أهل الجنة الظالمون لأنفسهم؛ لأن الذين لم تقعْ منهم معصية أقلُّ من غيرهم؛ كما قال -تعالى-: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾ [ص: 24]"؛ أضواء البيان، (5 - 490)، طبعة دار الفكر.
[10] مجموع الفتاوى، (7 - 294).
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / علوم القرآن
كرم جمعة عبدالعزيز
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / علوم القرآن
كرم جمعة عبدالعزيز

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق