قبل الحديث عن الإعجاز العلمي في والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون، لا بدَّ من المرور على بعض التفاسير لهذه الآية الكريمة والتي وردت في سورة الذاريات، قال سبحانه وتعالى: {والسماءَ بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والأرض فرشناها فنعم الماهدون} [الذاريات الآية 47 ،48]
، وقد ذكر العديد من المفسرين تفسير: والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون قبل قرون من الزمن وقبل ظهور الكشوفات العلمية الحديثة، فيروى في تفسير الطبري عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنَّه قال: في والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون أي بنيناها بقوةٍ، وكذلك قال مجاهد وقتادة وابن زيد -رحمهم الله تعالى-، أمَّا قوله: {وإنا لموسعون} فقد وردَ في تفسير الطبري: أي ذو سعةٍ بخلقها وخلق ما شئنا أن خلقه ونقدر عليه، ومنه قوله: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة الآية 236 ]، وعن ابن زيد أيضًا في هذه الآية {وإنا لموسعون} أنه قال: أوسعها الله جلا جلاله، والله تعالى أعلم. [تفسير القرطبي ]الإعجاز العلمي في والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون أنزل الله تعالى كتابه الكريم معجزةً وجعله آيةً للعالمين إلى قيام الساعة، وفي كثيرٍ من الآيات الكريمة مثل والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون وردت الإشارة إلى عظمة وقدرة الله في هذا الكون، وأشارت كثير من الآيات إلى أن هذا الكون في توسّع مستمرٍّ، وإذا عاد الزمن إلى الوراء فإنّ الكون سيتضاءل ثمّ يتجمّع على شكل جرم واحد أو رتق كما كان أول مرة، قال تعالى: {والسماءَ بنيناها بأيد وإنا لموسعون} [الذاريات 47 ]، ففي هذه الآية أشار الله تعالى إلى أنَّ السماء بنيت بقوة وإحكام وتماسك عجيب في قوله والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون وأن هذا السماء التي تشير إلى الكون في توسع دائمٍ ومستمر بقدرة الله تعالى، وهذا التصوير لمرحلة التوسع ثم الانطواء يعطي صورة مجملةً عن مراحل خلق الكون، ولم يستطع الإنسان إدراك هذه الحقيقة العملية عن توسع الكون إلا في نهاية القرن العشرين في العصر الحديث، وقد بدأ إدراك الإنسان لهذه الحقيقة العلمية التي تقول والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون من خلال التجارب التي بدأ العلماء بالقيام بها في القرن العشرين، حيثُ ظلَّ الفكر السائد عن ثبات الكون منتشرًا إلى هذه الفترة من الزمن في محاولة فاشلة لإبطال الخلق والتنكر لله تعالى.
ولكن بعد أن جاء العالم النمساوي دوبلر وقام بمراقبة حركة المجرات خارج مجرتنا تغيرت الأمور، حيثُ لاحظَ في أول نصف من القرن التاسع عشر بأن مرور قطار سريع يطلق صفارته يسمع الراصد له صوتًا متصلًا ثابت الطبقة، وكلما اقترب القطار من الراصد ارتفعت الطبقة الصوتية، وفسر ذلك بأن الصفارة تطلق عددًا من الموجات المتلاحِقة الصوتية في الهواء، وهذه الموجات الصوتية تنضغطُ بشدة كلما اقترب مصدر الصوت، فترتفع طبقة الصوت والعكس صحيح، ولاحظَ أن هذه الظاهرة تنطبق على الموجات الضوئية، فعندما يصل الضوء إلى عين الراصد من منبع متحرّك بسرعة كافية يحدث تغير في تردد الموجات الضوئية، فإذا كان المصدر يقترب من الراصد تتضاغط الموجات وينزاح الضوء باتجاه التردد العالي وتسمى هذه الظاهرة بالزحزحة الزرقاء، وإذا كان المصدر يبتعد عن الراصد تتمدّد الموجات الضوئية وينزاح الضوء نحو التردد المنخفض وتسمى هذه الظاهرة بالزحزحة الحمراء. واستخدم الفلكيون هذه الظاهرة وأسلوب التحليل الطيفي للضوء القادم من النجوم، وفي عام 1914م أثبت الفلكي الأمريكي سلايفر بتطبيق ظاهرة دوبلر على الضوء القادم من النجوم في العديد من المجرات حولنا أثبتَ أنَّ المجرات التي راقبها تبتعد عنا وتباعد عن بعضها، بسرعة كبيرة جدًّا، ومنذ ذلك الوقت بدأ الفلكيون بالنظر في هذه الظاهرة العجيبة.
وفي عام 1925م تمكَّن سلايفر نفسه من إثبات أن أربعين مجرة رصدها تتحرك في سرعة فائقة متباعدة عن مجرتنا وعن بعضها، وفي عام 1929م استطاع الفلكي الأمريكي إدوين هابل من الوصول إلى النتيجة الفلكية الدقيقة وهي: أن سرعة تباعد المجرات عنا تتناسب طردًا مع بُعدها عنا، وعرف هذا باسم قانون هابل وبهذا القانون تمكن هابل من قياس أبعاد العديد من المجرات وسرعة تباعدها عنا.
https://www.youtube.com/watch?v=1cjQp5KQk9Q
https://www.youtube.com/watch?v=1cjQp5KQk9Q
وأشارت تلك التجارب والكشوفات إلى حقيقة توسُّع هذا الكون، وانقسم العلماء بين مؤيدٍ ومعاؤض إلى أن جاء ألبرت أينشتاين عام 1917م بظريته عن النسبية العامة والتي يشرح فيها طبيعة الجاذبية، وأشارت النظرية النسبية إلى أن الكون غير ثابت، وفي نفس العام قام العالم الهولندي وليام دي سيتر بنشر بحث مستنتجًا فيه أنّ الكون يتمدّد إنطلاقًا من النظرية النسبية نفسها، وبعد ذلك بدأت فكرة تمدد الكون تلقّى قَبولًا عامًّا بين العلماء، وهذا ما أخبر به الله تعالى على لسان النبي الأميِّ -صلى الله عليه وسلم- قبل أربعة عشر قرنًا في إعجاز والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون، قال تعالى: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} {الذاريات: الآية 47} فسبحان الله على بديع خلقه ودقَّة تصويره. ↑ كتاب الحاوي في تفسير القرآن الكريم, ، "www.al-eman.com"، اطُّلع عليه بتاريخ 10-2-2019، بتصرف



